محظرة تنجغماجك ...جامعة الصحراء ..ومدرسة الزهد والبيان

ما زال أريج الذكر وعبق المعرفة ينساب في محظرة تنجغماجك أو المالكية وفق التعريب السائد لها، وما زال ذلك الألق العلمي الذي انطلق منذ أكثر من قرنين من الزمن ساريا يشق الآفاق، وما زالت سمعة هذه الجامعة الإسلامية الصامدة بين الوهاد والكثبان في منطقة "العقل"، تستقطب الطلاب من أصقاع متعددة من العالم الإسلامي، زيادة على ما تجذب من أبناء البلاد.

بدأت قصة المحظرة منذ  تأسيس قرية تندغماجك على يد الشيخين العالمين محمدن بن حبين والغلام بن كنين، منتصف القرن الثالث عشر الهجري، ليبدأ بذلك عطاء علمي وروحي دافق حول منهل تندغماجك وووهادها ونجادها الذهبية الناصعة.
ولم يكن هذا التأسيس البداية الأولى للمحظرة بل كان امتدادا لأجيال علمية متواصلة عبرت شغاف الزمن طيلة قرون من العطاء العلمي المتواصل.
ثم توالت بعد ذلك أجيال من العلماء والمدرسين، الذين رفعوا عماد المحظرة قرابة قرنين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ عبد الله بن حمين شيخ المشايخ الذي صدر عن منهله العلمي المئات من الأئمة والعلماء والشعراء، قادوا فيما بعض النهضة العلمية الوافرة الظلال التي شهدتها منطقة العقل خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجري
ومن شيوخ تلك المحظرة العلامة المدرس الشيخ محمدو حامد بن آلا الذي يعتبر من الجيل الذهبي للمحظرة الموريتانية، وأحد رموز نهضتها ومرسخي منهاجها العلمي والتربوي، وقد تصدر عليه جمع هائل من العلماء والمدرسين والشعراء
محظرة الشيخ أحمد سالم بن أغيوييت: تأسست هذه المحظرة مع بداية القرن العشرين في قرابة 1905 واستمرت طيلة ثلاثة عقود، ينهل التلاميذ من نميرها العلمي الدفاق، ويصدرون عن موسوعية في معارف الشريعة، ورؤية تربوية أخاذة بمجامع القلوب صانعة لائتلاف العلم والعمل والدراسة والتربية.
 
 
الشيخ أحمدو بن محمذن فال ..الإمام المدرس والمصلح المربي
 
يعتبر الشيخ أحمدو بن محمذن فال المؤسس الثاني لمحظرة تنجغماجك، وإمامها الأشهر الذي نقل علمها وسمعتها إلى مختلف أرجاء البلاد وآفاق واسعة من العالم الإسلامي دون أن يكون قد خطط لذلك أو سعى له، فقد كان الرجل آية من آيات الله في الزهد والبعد عن الأضواء غير أن موسوعيته العلمية جعلته مقصدا لآلاف الطلاب خلال مسيرته التدريسية التي بدأت منذ منتصف الثلاثينيات واستمرت إلى رحيله الفاجع للمحظرة والتربية بداية عقد التسعينيات من القرن المنصرم.
ولد الشيخ أحمدو بن محمذن فال في حدود 1915 وهو سليل علماء أجلاء من جهة الأم والأب، وفي بيئة علمية مفعمة بمعارف الشريعة والتربية الإسلامية والعربية القحة، أخذ الشيخ معارفه الأولى وسرعان ما تفتق ذهنه عن عبقرية فذة.
وقد تدرجت مسيرة هذا العالم الفذ بين محاظر عديدة وعلماء أجلاء منهم على سبيل المثال
العالم الجليل أحمد سالم بن أغيويت
العالم أحمد بن آلا
العالم الجليل محمدو حامد بن آلا
الشيخ يحظيه ولد عبد الودود ويصف الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله في مرثيته للشيخ أحمدو بن محمذفال هذا المرابط بأنه
قد آخر من يقول سمعت ذا
في الدرس من في شيخنا يحظيه
الشيخ مم بن عبد الحميد
الشيخ أبي ولد حيمود
الشيخ محمد سالم ولد ألما
الشيخ الحسن ولد أبا
الشيخ محمدو بن حويبلا
الشيخ أحمدو بن أحمد محمود بن فتى
وقد كانت مرحلته النهائية في التحصيل على يد شيخه أبي ولد حيمود الذي طلب منه مرارا أن يستقل بمحظرته، التي تأسست بالفعل من مجموعات شتى من الطلاب كانت ترافق الشيخ أحمدو في حله وترحاله بين المحاظر والعلماء
وقد أسس الشيخ أحمدو بناء على التصدير الذي ناله من أجلاء العلماء محظرة في حدود 1944 وقد ظلت منذ تأسيسها منهل إشراق روحي وجامعة موسوعية المعارف، ولم ينقطع هذا العطاء منذ تأسيسها إلى اليوم، حيث ما تزال محضن المئات من الطلاب، وما زال يصدر عنها كل سنة عدد كبير من العلماء الذين حازوا علوم المحظرة.
محظرة البيان ..ومدرسة الزهد والإيمان
عرف الشيخ أحمدو بن محمذن فال موسوعيته العلمية وقدرته الهائلة في التدريس، زيادة على سمته التربوية الذي جعل له على القلوب سلطانا، وألقى له في الأفئدة محبة وهيبة، مع زهد إيماني صار مضرب المثل، ولم يكن هذا الزهد عدميا يؤدي إلى انسحاب عن الحياة وتدبير شؤون المعيشة، فقد كان يعمل بيديه في الزراعة، ويقوم بشأن ماشيته، وما تتطلبه رعاية بيته وإكرام طلابه وضيوفه.
 وإلى جانب ذلك عرف عنه التدريس على كل حال وفي أي وقت، زيادة على كرمه الحاتمي مع الطلاب والزوار، وقد ساندته في ذلك زوجه السيدة العالمة سلمى بنت العالم أحمد محمود بن يداده التي عرفت بأم التلاميذ.
وقد كانت هذه المحظرة جامعة تدرس مختلف المتون المحظرية ومنها على سبيل المثال
القرآن الكريم وعلومه: حيث ظلت المالكية منهلا ثرا  من مناهل القرآن الكريم الذي كان المحطة الإلزامية الأولى التي يعبر منها التلميذ إلى دراسة بقية المتون العلمية المقررة في المحظرة الموريتانية، وتشمل هذه الدراسة حفظ القرآن ودراسة متون المقرأ ومطالعة كتب التفسير وغير ذلك.
الفقه المالكي: درست محظرة الشيخ أحمدو بن محمذن فال مختلف المتون الفقهية المقررة في المذهب المالكي من الأخضري وابن عاشر والكفاف والرسالة، ومختصر الشيخ خليل، وكتب قواعد المذهب وغيرها.
اللغة: وذلك عبر سلسلة كبيرة من المتون منها في النحو الآجرومية وعبيد ربه وملحة الإعراب وألفية ابن مالك مع احمرار وطرة المختار بن بونه، وقد كانت طرة تنجغماجك من أجود وأعمق وأشمل نسخ الطرر التي أنتجها الشيوخ والتلاميذ في تمهيد وتطوير دراسة النحو في هذه البلاد، زيادة على كتب أخرى متعددة في النحو وزيادة على ذلك يدرسون في الصرف لامية الأفعال بطرة الحسن بن زين، وديوان الستة الجاهليين وديوان غيلان، ومختلف مؤلفات الإمام محمد ابن مالك مثل المثلث والمقصور والممدود.
وفي أصول الفقه: كانت من مقررات هذه المحظرة نظم الورقات، وكتاب الكوكب الساطع للإمام السيوطي، وكتاب مراقي السعود للإمام سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم
زيادة على كتب ومقررات متعددة في الدراسات اللغوية.
وفي البلاغة: يدرس الشيخ ألفية السيوطي في البيان، وطررا متعددة أنتجتها المحظرة الموريتانية
وفي السيرة التاريخ: درست هذه المحظرة أنظام قرة الأبصار ونظم الغزوات وعمود النسب وألفية العراقي في السيرة النبوية، وكذا مجموعات متعددة من الأنظام المتعلقة بالشمائل والخصائص النبوية
وفي التصوف والقيم الإسلامية يدرس التلاميذ كثيرا من المتون والكتب مثل مطهرة القلوب وغيرها من المؤلفات، وكانت أخلاق الشيخ وعلمه وتربيته مدرسة صوفية يصدر عنها التلاميذ بقلوب سليمة وأشواق إيمانية مترعة بالإقبال على الله.
تلاميذ لمرابط لمدو ..أجيال العلماء وشيوخ المحاظر
درس الشيخ أحمدو بن محمذن فال آلاف التلاميذ طيلة مسيرته التدريسية التي أنافت على خمس عقود، ومن هؤلاء الأجلاء الذين درسوا عليه أو على أبنائه من بعده.
-        العلامة الحسن بن الشيخ أحمدو بن الحسن
-        العلامة عبد الله ابن احويبلا
-  العلامة الجليل محمد الحسن بن أحمد سالم بن أغيويت رحمه الله وقد كان مدرسا بالحرم المكي
-  الشيخ محمدو حامد بن محمد الحسن بن أغيويت أحد أبرز العلماء المدرسين بمحظرة جامع الشرفاء
-        الشيخ الحسن بن أبا رحمه الله
-        الشيخ أحمدو بن أبيد
-        القاضي العلامة الداه ولد حمين
-        القاضي محمذن فال ولد السالك
-        العلامة عبد الله السالم بن حنبل رحمه الله
-        القاضي أحمد شيخنا بن أمات
-        القاضي أحمد الحسن بن الشيخ
-        الشيخ محمدن بن المبارك
-        شيخنا بن الشيخ محمدو حامد بن آلا
-        الشيخ عبد الله آلا بن آلا المفتي بأبي ظبي بالإمارات العربية
-  الشيخ ومحمدن ابني الشيخ أحمدو بن محمذن فال وخليفيته في المحظرة تدريسا وتربية وإمامة وإفتاء
-        الشيخ محمد الأمين بن الحسن إمام جامع الشرفاء رحمه الله تعالى
-  الشيخ البشير بن بدالي إمام جامع زاوية الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج ابراهيم
-        العلامة محمد سالم بن حداه
-        الشيخ أحمدو بن أحمذيه رحمه الله تعالى
-        الشيخين الجليلين محمد الزايد وحيمده ابني العلامة محمد سالم ولد ألما
-        العلامة محمد الأمين ولد باب
-  العلامة النحوي الشهير محمد عبد الله ولد محمد سعيد المعروف بالسفير
-        الإمام محمدن بن محمد سالم ولد يحظيه
-        الشيخ التاه ولد اليدالي
-        الشيخ القطب ولد عبدولي
-        الشيخ أحمد بن خيران
-        الشيخ الدكتور إبراهيم بن أعمر كل
-        الشيخ إبراهيم فال القناني
-        الشيخ سيدي محمد ولد المختار فال
وغيرهم كثير
أما الذين قرأوا عليه
فرمل عالج لمن يحصيه
وقد واصلت المحظرة إشعاعها وعطاءها بعد وفاة شيخها المرابط أحمدو بن محمذن فال سنة 1418 هج، حيث خلفه ابناه العالمان الجليلان
وما تزال المحظرة تصدر كل سنة العلماء والقراء والمقرئين، بل تفرعت عنها محاظر متعددة في مناطق واسعة من البلد ومن خارجه، ويصل عدد طلابها في بعض المواسم إلى قرابة 700 طالب، وقل أن ينقص العدد عن حوالي 300 من التلاميذ المقيمين.
وإذا أجمع التلاميذ على موسوعية شيوخ تنجغماجك، فإنهم مجمعون أيضا على بركة سارية بين وهاد تلك القرية الوادعة، تنساب بين مسجدها ومنازل التلاميذ وبيوت الشيوخ والمدرسين، تخلب الألباب وتربي النفوس، وتضيف لبنات من الورع والزهد إلى راس من الموسوعية المحظرية.