محظرة الكحلاء والصفراء ..أم المحاظر الشنقيطية

ربما لم تشتهر محظرة في هذه البلاد اشتهار الكحلاءو الصفراء، وذلك لأسباب منها  أقدميتها في تاريخ المحاظر ومعاهد التربية ومنابر الإصلاح في هذه البلاد، ومنها الموسوعية التي اشتهر  بها شيوخها وتلاميذها على حد سواء، زيادة على كثرة الأقمار الأجلاء الذين نهلوا من معارف هذه المحظرة التي تنقلت في شغاف التاريخ الإسلامي في بلاد شنقيط عنوانا للموسوعية وذكرى للإصلاح وذاكرة للامتياز الحضاري في بلاد البدو الذين اتخذو ظهور العيس مدرسة تربية ومنبر إصلاح

 

زيرة التلاميذ..قصة كثيب الموسوعية ومنار الإصلاح

أقامت محظرة الكحلاء والصفراء حينا من الدهر غير قليل قرب مناهل أغدكل شرقي مدينة ألاك، مرتادة بين فضاء يمتد بين رؤوس الآكام في آمشتيل ومجرى الأودية في مناهل ومجاري لكديه، وبينهما فجاج ملأها الحي الإيججبي علما وتربية وإصلاحا طيلة قرون. وقد كانت زيرة التلاميذ  إحدى المنازل الخالدة لمحظرة الصفراء والكحلاء، حيث أقام عندها المئات من الطلاب يدرسون ويرفعون منائر العلم خلف شيخهم حبيب الله بن القاضي وأبنائه من بعده، وقد أخذت المحظرة تسميتها من لون الخيم التي عرف بها أهلها، فقد كانت خيما سوداء منسوجة من وبر الضأن، وأخرى صفراء منسوجة من وبر الإبل، وكان أهلها أهل ثراء مادي وعلمي، فنهل الطلاب من معارفهم، وأقاموا بين أحضان إكرامهم وتربيتهم ردحا من الزمن وفترات من لآلي الأيام.

 

جيل التأسيس وأجيال التمدد الانتشار

يربط أغلب الباحثين نشأة محظرة الكحلاء والصفراء بالشيخ حبيب الله بن المختار نللا، باعتباره رأس الرعيل الأول من مشايخها ولسان علمها الأول وصوتها الإيماني الأسمى، قبل أن تدخل المحظرة فترة كمون وضعف بسبب آثار حرب شرببه الذين كان عشيرة أجيجبة من أهم فروعها وقادتها في الشق الشرقي من أرض الإمارة التي أقامها الزوايا بقيادة الإمام ناصر الدين بن أبهم الديماني.

وقد استعادت المحظرة ألقها ونضارتها بعد ذلك مع الفقيه أحمد بابا بن الحاج( اتفغ أحمد بابو) المتوفى سنة 1136هج،  الذي يعتبر المؤسس الفعلي للمحظرة، وقد أخذ معارفه الشرعية على عدد من أجلاء العلماء من بنيهم شيخ الشيوخ الفاضل بن أبي الفاضل الحسني الذي أخذ هو بدوره عن عدد من كبار العلماء منهم شيخ المالكية في مصر علي الأجهوري.

وقد تواترت كلمة العلماء والمؤرخين على رسوخ قدم الفقيه أحمد بابا وقد وصفه صاحب كتاب فتح االشكور بأنه العالم الجليل ذو المعرفة الراسخة بالفقه وبالشيخ خليل، وأحد العلماء والصالحين، وانتفع به خلق كثير.

وإلى مثل هذا أشار العلامة المؤرخ المختار بن حامد، والمؤرخ القاضي صالح بن عبد الوهاب، الذي وصفه بأنه شيخ الشيوخ في العلم والمعارف والرسوخ وورد أيضا في ثناء العلامة فتى بن فال الحسن الحسني في مدح أهل الكحلاء.

عند أهل القضاء من كل عصر

والفتاوي من آل أحمد بابو

أنجم كلما تساقط نجم

بزغ النجم إثره والشهاب

كيف أحصي منازلا وخصالا

حاولتها الحكام والكتاب

إن من ينأ عنهم بعد ما قد

قربوه من دارهم لمصاب

وسلام عليكم آل بيت

طاب منه النجار والأحساب

وقد تعدد أساتذة الكحلاء في عصر شيخها أحمد بابو، فكان من بينهم نجله الحاج، وأخوه القاظي ونجله حبيب الله، الذي بلغت في عهده شأوا بعيدا، وأصبحت طرته المعروفة بمعين حبيب الله على مختصر الشيخ خليل، منهجا فقهيا معت لمرابط مدا للإقراء والتدريس في منطقة لبراكنة، وفي كثير من المحاظر المنبثقة عن الكحلاء

وقد أخذ عن حبيب الله بن القاظي علماء أجلاء منهم على سبيل المثال الشيخ سيديا بن المختار الهيبة، والنابغة الغلاوي، والإمام محمد بن عبد الدائم التاكاطي، والعلامة السيري غالي بن المختار فال البوصادي وغيرهم كثير.

ومن بعد الشيخ حبيب الله أخذ الراية ابنه محمد محمود  الذي عرف بالموسوعية والتميز والصرامة والسعي إلى ترسيخ شكل من أشكال الدولة في محيطه، ويرى المختار بن حامدن أن الامتياز العلمي في منطقة القبلة تأسس على كثير من فقه ودراية الشيخ محمد محمود بن حبيب الله، حتى قيل إن مجتهد الكبلة ينبغي أن يكون ملفقا من فقه محمد محمود بن حبيب الله، ومتمات محنض باب، ولغة شيخنا بن محنض اليعقوبي وورع محمد ولد محمد سالم المجلسي

وقد تواترت أيضا كلمة العلماء على ورع محمد محمود وموسوعيته المعرفية وصلابة عوده، وكان سعيه إلى إقامة الحدود أهم حدث أثار جدلا فقهيا وسياسيا كثيرا في منطقته

وقد أخذ على الشيخ محمد محمود عدد كبير من أجلاء العلماء منهم على سبيل المثال:

-              الخرشي بن عبد الله الحاجي

-              ميلود بن المختار خي الديماني: وقد ترجم لشيخه وأثنى على موسوعيته وعلمه وصلاحه.

-              منداهي بن محم التندغي

أحمد بن محمد عينينا بن محمد الهادي مؤلف كتاب مغني شراح المختصر عن التعب في تصحيح الطرر

الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكاني

المختار فال ابن إبراهيم فال البركني من أبناء عبد الله ثم من أبناء منصور،  الذي أقام معه أكثر من عشرين سنة،  مؤلف النظم  المشهور التلخيص في شواهد الفقه.

الأمين بن الشيخ محمد الحجاجي

غالي ولد الشيخ القاضي الإيججبي

الشيخ محمد محفوظ بن الشيخ المصطفى الإيججبي الملقب بورسغ.

الشيخ أحمد بن الفاضل الديماني

سيدي بن التاه بن العاقل

وقد ألف الشيخ محمد محمود كتبا عديدة منها

شرح معين والده في الفقه

شرح على المنهج للزقاق

شرح على تكميل المنهج لميارة

كتاب في أحكام النكاح

شرح على نظم المفيد في شواهد الفقه لمؤلفه الشيخ محمدن الخراشي  التندغي

وقد كان آية في الإفتاء واستحضار النصوص من مظانها من الكتب، دون الرجوع إليه، وقد وصفه الشيخ اجدود بن أكتوشني العلوي بأنه لا يتعقب فتاويه في أرض "القبلة" إلا معاند، وفي ذلك دلالة على ما وصل إليه من رتب الرسوخ في العلم والإفتاء والقضاء.

وبعد عقود من التدريس والتربية آذنت شمس محمد محمود بن القاضي بالأفول، في عام موت العلماء سنة 1277 وهي السنة التي قضى فيها أعلام أجلاء مثل الشيخ محنض باب بن أعبيد والأمير العادل محمد الحبيب بن أعمر بن المختار، والعلامة انبوي بن باب المحجوبي الولاتي والأمير العادل أحمد بن أحمد العيده وغيرهم.

وقد  أصاب الكحلاء من بعد شيخها محمد محمود فتور  وضعف لفترة، وذلك لصغر  أبناء الشيخ محمد محمود، حيث تولى من بعده التدريس والقيام على المحظرة كبار تلاميذه مثل الشيخ محمدن بن الخراشي، زوج ابنته والمختار فال ابن إبراهيم فال وغيرهم من أجلاء العلماء، الذين انكبوا أيضا على تدريس ابن شيخهم الفقيه عبد الله الذي استلم راية القضاء والتدريس والإفتاء والزعامة القبلية بعد أن بلغ الحلم وتضلع من معارف المحظرة وأخلاق أهل الكحلاء والصفراء، وقد مكن من الحفاظ على مكانة المحظرة كثرة الفقهاء يومها في قبيلة أجيجبة، حتى قيل إن من بينهم يومها 15 شقيقا من الفقهاء أبناء أسرة واحدة.

لكن الفقيه الخليفة عبد الله بن محمد محمود سرعان ما لحق هو الآخر بوالده واخترمه الموت من بين تلاميذه ومحظرته، مخلفا وراءه صبية صغارا ليتولى القيام على المحظرة بعد ذلك بعض تلاميذ والده، مثل الشيخ محمد عبد الله بن وداد اليعقوبي والشيخ الحسن بن وديعة الله الحسني وماء العينين بن الشيخ المعلوم البوصادي، ومحمد الحسن بن آيكاه الغربي، وفق ما ذكر الأستاذ محمدن ولد أمد في رسالته الضافية عن تاريخ محظرة الكحلاء والصفراء

 

وإذا كانت مدرسة الكحلاء قد استمرت قرابة قرنين من الزمن، فقد زامنتها أيضا محظرة الصفراء التي هي في الحقيقة جزء منبثق عن الكحلاء، ودرس فيها شيخها ومؤسسها أحمدو بن حبيب الله بن القاظي شقيق الشيخ محمد محمود، وقد تعاقب عليها من بعده أجيال علمية جليلة التأثير مثل ابنه محمدالحاج بن أحمدو بن حبيب الله

وحفيده محمد محمود بن الحاج بن حبيب الله، قبل أن تندثر هي الأخرى.            

محظرة أهل المنجى

اعتبرها بعض الباحثين  استمرار لمحظرتي الكحلاء والصفراء، ويمكن اعتبارها مستقلة عنهما لأنها بدأـت في أيام الشيخ القاضي.

بعدرجوع  الشيخ القاضي من رحلته إلى أهل الشيخ سيدي المختار سنة 1202هج، اختار الشيخ  عبدي  بن المنجى لتدريس أبنائه المباشرين، ثم استلم الراية من بعده  ابنه العلامة القاضي الحاج أحمد بن المنجى واستمرت طيلة قرن وهي المعروفة الآن بمحظرة البلد الطيب، حيث يتكامل تدريس آل المنجى مع تربية حضرة آل الشيخ القاضي في نمط فريد من التكامل بين التعليم والتصوف قل أن تجمعه محاظر موريتانيا.

وقد تعاقب على محظرة  منذ تأسيسها بداية القرن الثالث عشر الهجري علماء أجلاء من بينهم ، الشيخ القاضي أحمد بن المنجى، ونجله محمد المصطفى بن المنجي، وراية المحظرة الآن بيد شيخها العلامة الشاعر السيري محمد يحيى بن محمد المصطفى  المنجى وأبنائه الذين يعينونه في تدريس مختلف المتون الشرعية واللغوية في المحظرة الموريتانية، رافعين بذلك أركان محظرة وحضرة إيمانية يناهز عمرها ثلاثة قرون، وما زالت ذكراها وطيب عرفها ومواكب علمائها منسابة في كبد التاريخ والثقافة العربية الإسلامية في وسط وجنوب موريتانيا.

وقد عمرت ذاكرة الأدب والتاريخ بكثير من الإشادة والتمجيد لمحظرتي الكحلاء والصفراء ومنذ ذلك قول العلامة المجاهد محمد عبد الرحمن بن المبارك بن اليمين متذكرا  عهود محظرة الصفراء

أبى لي أن أصبو إلى الخرد الدهرا = وأن آلف النوم الخيال من الصفرا

فما هو من ليلى ولا أم عامر = ولا هو من سلمى ولا هند لا بشرى

تنسكت عن وصل الخرائد برهة = وآلت لي الصفرا قطعت لها الأمرا

فــــــــسلمت مقهورا ببرح غرامها = كما فعلت قبلي بكل فـــــــــــتى قهرا

وسفر بموماة تمطوا لزورها = نجائب من قفر يسرن إلى قفرا

بها فـــــــــــــتية آووا طريقة مالك = كما مالك آوى طريق أبي الزهرا

بتدريس ذي فقه ونحو ابن مالك = ونص بتصنيف السنوسي في الكبرى

فإن تلقهم تلقى معما ومخولا = وقاض وذا تقوى ومن يألف الصبرا

كأنهم وهنا من الليل ركعا = عراجين جنات حمتها السرا هصرا

 

ويقدم العلامة الشيخ محمد سالم بن عدود رحمه الله صورة مفعمة بالجلال والجمال  تقريظه لكتب لشيخ محمد المصطفى ولد الندى "طرق التدريس المحظري من خلال محظرتي الكحلاء والصفراء

 

ذكرتني الكحلاء والصفراء = ومضات من البحوث تراءى

قدحتها يد الندى ابن الندى من = نعش السامعين والقراء

رد ذهني إلى المحاظر إذ كا نت تزين العمران والصحراء

فكأني أرى أساتذة التدريس تفني أعمارها إقراء

وكأني أرى جهابذة النقد تديم الإسقام والإبراء

وكأني أرى عباقرة النحو تباري الخليل والفراء

وكأني أرى مطارحة الإعراب تحيي التحذير والإغراء

وكأني بين الجميع غريب = يسمع الجد منهم والهراء

يتأرى إناه من نوبة التاديت تأتي صبيحة غراء

يسرد الثمن يعرب البيت يصمي القرن يعدو فيلهثون وراء

ألف الخفض والغنى فأتى القوم فأضحى يعاشر الفقراء

قر عينا بهم وطاب بهم نفسا فجافى الملوك والأمراء

لبثوا برهة بأرغد عيش = ثم عادوا أيمة سفراء

ينشرون العلم الشريف ويحيون بذاك الشريعة الزهراء

طلبوا العلم حسبة لم يريدوا = منه جاها أو سمعة أو مراء

بنت فكر عن المحاظر نجلو ها عروسا على الندى عذراء.