مواقد الحطب ملاذ أوروبا الأخير لمواجهة جحيم الشتاء

الأسر الأوروبية تتكالب على شراء الحطب لتعويض الغاز الروسي - الصورة من صحيفة واشنطن بوست

برزت مواقد الحطب والفحم البدائية أو الدفايات الكهربائية باعتبارها بديلًا أمام مواطني أوروبا للتدفئة خلال موسم الشتاء المقبل، وسط توقعات بتصاعد أزمة الطاقة ونقص إمدادات الغاز الروسي، التي أشعلت أسعار الطاقة في القارة العجوز.

كانت أوروبا تعتمد بشكل رئيس على روسيا في توفير ما يقرب من نصف احتياجاتها من الطاقة، قبل اندلاع شرارة الحرب بين موسكو وكييف في فبراير/شباط من العام الجاري (2022) وما تلاها من عقوبات غربية على مصادر الوقود الروسي، بحسب ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وتسبّبت فواتير الطاقة عن شهر أغسطس/آب (2022)، في صدمة للمواطن الألماني يورغ ميرتنز؛ حيث قفزت فواتيره بنحو 70%.

ارتفاع فواتير الطاقة

قال رجل يبلغ من العمر 60 عامًا، ويقيم في مدينة ميونخ، لصحيفة واشنطن بوست الأميركية، بصوت خافت: "أنا خائف".

بعد سداد الإيجار؛ فإن التكاليف المتزايدة التي تصل إلى نحو 190 دولارًا شهريًا للكهرباء والتدفئة مقارنة بـ112 دولارًا من قبل، ستجعله يحصل على 366 دولارًا شهريًا للأغذية والأدوية والنقل خلال أسوأ موجة تضخم تواجهها ألمانيا منذ سبعينيات القرن الماضي.

الأسر الأوروبية تتكالب على شراء الحطب لتعويض الغاز الروسي - الصورة من صحيفة واشنطن بوست

وقال ميرتنز، المصاب بمرض في العمود الفقري، ويعيش من معاش تقاعدي ثابت مبكر: "سأضطر إلى شراء كميات أقل من الطعام"، متسائلًا: "كيف سأدفع الإيجار في الشتاء".

وتسبّب استخدام صادرات الغاز الروسي باعتبارها سلاحًا من قِبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين -كما يقول الأوروبيون- لمعاقبة الغرب على فرض عقوبات على موسكو، في تضرر المستهلكين في بعض من أغنى الدول على وجه الأرض.

وكان الاتحاد الأوروبي قد خفّض وارداته ببطء من الخام والوقود الروسي منذ مارس/آذار (2022)، في ردّ فعل للهجوم العسكري الذي شنّته موسكو على كييف في فبراير/شباط الماضي.

كما يعتزم الاتحاد الأوروبي حظر 90% من النفط الروسي بحلول نهاية العام الجاري (2022).

وشهدت الدول الأكثر تضررًا، بما في ذلك ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا، زيادة سنوية في الضرائب تصل إلى 210%، مع احتمال تقنين استهلاك الكهرباء وانقطاع التيار الكهربائي في الشتاء.

مواقد الحطب الملاذ الأخير

في المملكة المتحدة، يتخلى السكان الذين يعانون ضائقةً مالية عن الحيوانات الأليفة، بينما تحذّر المدارس من أن ارتفاع تعرفة الطاقة يعني أنهم لن يصبحوا قادرين على تحمل تكاليف الكتب المدرسية الجديدة.

وفي بولندا، يدرس المسؤولون توزيع أقنعة مكافحة الضباب الدخاني؛ حيث يفكّر البولنديون في حرق القمامة للتدفئة في الشتاء.

في حين أن سكان برلين الغربية ينفضون الغبار عن أفران حرق الفحم والأخشاب التي كانت ذات يوم بمثابة تأمين ضد الروس الذين كانوا يستهدفون إمدادات الطاقة خلال الحرب الباردة.

ويعاني العديد من الدول الأوروبية ندرة وارتفاع أسعار وقود الملاذ الأخير "الحطب"؛ حيث يستغل اللصوص الأزمة الحالية ويسرقون جذوع الأشجار من أسرّة الشاحنات؛ ويُنشِئ المحتالون مواقع إلكترونية مزيفة، متظاهرين بأنهم بائعو أخشاب لخداع المستهلكين اليائسين.

بيعت مواقد الحطب وأفران الفحم في العديد من البلدان الأوروبية بالكامل تقريبًا.

وقال مواطن ألماني يقيم في مدينة "بريمن" يُدعى فرانز لونينغهاكي -62 عامًا- ويمتلك فرنًا لحرق الأخشاب: "الحطب هو الذهب الجديد".

وأوضح عامل لتنظيف المداخن في برلين، يُدعى نوربرت سكروبيك، وهو فني مرخص يرتدي زيًا عتيقًا لفحص أفران الخشب والفحم، أن هناك زيادة في الطلب على شراء الدفايات الكهربائية المحمولة بين سكان برلين؛ ما قد يؤدي إلى حدوث تسريبات خطيرة لأول أكسيد الكربون إذا رُكِّبَت أو استُخدِمَت بشكل غير صحيح.

واشترى الألمان 600 ألف دفاية كهربائية، خلال النصف الأول من العام الجاري (2022)، بزيادة 35% تقريبًا عن العام السابق، وفقًا لبيانات شركة الأبحاث "جي إف كيه".

الآثار السلبية لنقص الغاز

تسعى الدول الأوروبية جاهدة لخفض استهلاك الغاز، وملء الاحتياطيات وتوفير بدائل للغاز الروسي، مع تعهدها بتقديم مساعدات مالية بقيمة مئات المليارات من اليورو للمستهلكين والشركات.

ولوقف النزيف الاقتصادي، تعتزم الحكومة الألمانية، إضافة مئات الآلاف من الأشخاص إلى قوائم الرعاية الاجتماعية، لكن من غير المُرجّح أن تؤدي هذه الخطوات إلى تعويض التكاليف المرتفعة بشكل كامل.

رئيسة وزراء بريطانيا ليز تروس - الصورة من واشنطن بوست

ويحذّر المحللون من زيادة معدلات الفقر، وتدمير الطبقة الوسطى، وتزايد الديون الحكومية، وتأثيرات سلبية أكثر ضررًا في البيئة.

ويُعَد خفض شحنات الغاز الطبيعي الروسي المستخدم لتشغيل شبكات الكهرباء وتدفئة المنازل في أجزاء كثيرة من أوروبا، العامل الأكبر في زيادة الأسعار، لكن الأمر تفاقم سوءًا بسبب عدة عوامل أخرى؛ بما في ذلك الإغلاق المجدول لمحطات الطاقة النووية الفرنسية لإجراء عمليات الصيانة.

وقُدِّر إنتاج الطاقة النووية في فرنسا للعام الجاري (2022) بأنه سيكون الأقل منذ 30 عامًا، ما يُلزم الدول الأوروبية المجاورة بضرورة البحث عن بدائل للحفاظ على إمدادات الكهرباء.

وحذّرت السلطات الفرنسية مواطنيها من احتمال انقطاع التيار الكهربائي في وقت لاحق من هذا العام (2022).

لتوفير الطاقة، ستُطفَأ أنوار برج إيفل -وهو برج شاهق يضيء عادة مدينة الأنوار حتى الساعة الواحدة صباحًا (الثانية صباحًا بتوقيت مكة المكرمة)- بحلول الساعة 11:45 مساءً (12:45 صباحًا بتوقيت مكة المكرمة).

ثمن الحرب

قال رئيس هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا، كلاوس مولر: "لقد لعب بوتين كل شيء على أفضل وجه"، إن كل خفض في إمدادات الغاز الروسي أدى بنا إلى قفزات في الأسعار، مضيفًا: "هذا هو ثمن هذه الحرب".

كان الأوروبيون يمولون الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة من خلال الضرائب والرسوم على فواتير الطاقة الخاصة بهم، ويدفعون في المتوسط أكثر من نظرائهم الأميركيين، الآن اتسعت هذه الفجوة.

ومع اقتراب فصل الشتاء، قد يكون الألم الاقتصادي بمثابة اختبار لعزم القارة الأوروبية على الاستمرار في فرض عقوبات على روسيا جرّاء غزوها لأوكرانيا.

وأصبح ارتفاع أسعار الطاقة قضيةً رئيسة بالنسبة للأطراف الأوروبية المعروفة بعلاقاتها الحميمة مع موسكو؛ ما أدى إلى إثارة الشكوك في البلدان -المنهكة من التضخم- في الحكمة من فرض العقوبات على روسيا.

وأشار زعيم حزب الرابطة اليميني في إيطاليا، ماتيو سالفيني، وهو جزء من ائتلاف مرشح بقوة للفوز في الانتخابات الوطنية خلال شهر سبتمبر/أيلول الجاري (2022)، إلى أن الإيطاليين يدفعون ثمنًا باهظًا للصراع الأوروبي الروسي.

وفي ألمانيا، يدعو اليمين المتطرف المؤيد لروسيا، المستهلكين إلى النزول إلى الشوارع تنديدًا بارتفاع تكاليف الطاقة.

فواتير الطاقة البريطانية

أظهر مسح حديث في بريطانيا أن ما يقرب من واحد من كل 4 أشخاص، يخطّط لخفض استهلاك مواقد التدفئة هذا الشتاء.

وعلى عكس بعض جيرانها الأوروبيين، لا تعتمد المملكة المتحدة على الغاز الروسي؛ إذ يشّكل أقل من 4% من الإمدادات، لكنها تعاني ارتفاع الأسعار، الذي سببه النقص في الدول الأخرى.

وارتفعت أسعار الغاز في بريطانيا بنسبة 96%، كما قفزت أسعار الكهرباء بنسبة 54% على أساس سنوي حتى يوليو/تموز (2022).

رئيسة وزراء بريطانيا ليز تروس - الصورة من واشنطن بوست

وقالت رئيسة الوزراء، ليز تروس، في أول إعلان رئيس لها بعد توليها رئاسة الحكومة، الأسبوع الماضي، إنه ستُجَمَّد فواتير الطاقة للمستهلكين لمدة عامين.

وأكدت الحكومة أن الأسرة البريطانية لن تدفع أكثر من ألفين و885 دولارًا سنويًا؛ ما يوفر لها أكثر من ألف دولار سنويًا.

وقال صاحب مطعم في مدينة جيسبورو في إنجلترا، يُدعى إد تريويت -55 عامًا- إن ذلك لن يكون كافيًا لإنقاذ عمله.

وأوضح أنه إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستوياتها الحالية؛ فسيضطر إلى إغلاق مطعمه العام المقبل (2023).

وتضاعفت تكلفة تشغيل فرن الخبز الخاص به خلال العام الماضي (2021) لتصل إلى ألفين و300 دولار شهريًا، مع ارتفاع معدلات التضخم في بريطانيا لأعلى مستوياتها خلال 40 عامًا.

تخزين الحطب

رغم ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا خلال هذا الصيف؛ فقد بدأ المشترون المذعورون في تخزين الحطب قبل أسابيع؛ ما أدى إلى ارتفاع الأسعار.

في قرية (آغ) الريفية بالمجر، على بُعد ساعتين جنوب غرب بودابست، تضاعف سعر الحطب، الذي يستخدم بشكل حصري تقريبًا باعتباره وقودًا شتويًا.

وقال موظف في منظمة غير حكومية يبلغ من العمر 35 عامًا، يُدعى نيكوليتا كليمين، إن تكلفة شجرة واحدة تكلف الآن ما يقرب من نصف متوسط راتب القرية البالغ 249 دولارًا في الشهر.

وزادت سرقة الأخشاب في الغابات حول شتوتغارت في ألمانيا، وفقًا للمشرف على إدارة الغابات في المنطقة، غوتز بولو فون دينيويتز.

وأغلقت روسيا خط أنابيب نورد ستريم 1، الذي يُعَد طريقًا رئيسًا لتوريد الغاز إلى ألمانيا، في نهاية شهر أغسطس/آب الماضي (2022) بدعوى الحاجة إلى الصيانة، ثم أعلنت استمرار إغلاق الخط إلى أجل غير مسمى.

وأكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في تصريحات له في 17 سبتمبر/أيلول (2022)، أن تدفقات الغاز يمكنها شق طريقها عبر خط نورد ستريم 2 إلى دول الاتحاد الأوروبي في حالة رفع العقوبات عنه وفتحه.

وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن التحول الأخضر هو السبب في أزمة الطاقة بالقارة العجوز، وأن موسكو لا صلة لها بتلك الاضطرابات.

الجوع أو التجمد

نجحت ألمانيا في ملء مخزونات الغاز، كما طرحت الحكومة الألمانية، هذا الشهر، حزمة مساعدات بقيمة 65 مليار يورو لمساعدة الأسر المتعثرة، وهي الحزمة الثالثة في 7 أشهر.

تضمّنت إجراءات الإغاثة والمساعدة، التي اتفقت عليها الأحزاب الـ3 داخل الحكومة الائتلافية في ألمانيا، زيادة المزايا ودعم النقل العام، على أن تكون قيمة هذا الدعم من الضريبة على شركات الكهرباء، ومن خلال تنفيذ الحد الأدنى لضريبة الشركات العالمية، المخطط لها بنسبة 15%.

وتوقع الباحث الاجتماعي كريستوف باتروغي أن يدفع العديد من الأسر الألمانية ما بين 20 و30% من دخلها على فواتير الطاقة بحلول الشتاء؛ ما يؤدي إلى ارتفاع معدل فقر الطاقة، المحدد في ألمانيا على أنه أي شخص يدفع أكثر من 10% من صافي الدخل على الكهرباء والتدفئة.

وأضاف باتروغي: "سيكون هناك فقراء سيواجهون إما الجوع وإما التجمد".

المصدر الطاقة