محظرة أهل فتى.. ثلاثة قرون من العلم والتربية والأدب/ إعداد موقع الفكر

تنتمي محظرة آل فتى إلى الرعيل الأعلى في المحاظر الشنقيطية التي صنعت أسس الحضارة العلمية في البلاد، وخصوصا في الجنوب، وقد انطلق إشعاع هذه المحظرة منذ القرن الحادي عشر الهجري على يد شيخها أحمد بن عبد الله الشقروي الذي اعتبرته المصادر التاريخية أحد أجلاء العلماء في عصره وجيله ومنطقته، ثم زاد حفيده فال الحسن قوتها وتأثيرها ورسخ تقاليدها، ثم تركها كلمة باقية في عقبه بعد ذلك.

وقد استقرت هذه المحظرة لاحقا في عقب القاضي العلامة فتى بن فال الحسن وانتشر تراثها عبر أجيال كبيرة من أجلاء العلماء، وهو فتى بن فال الحسن بن بابنلي بن يوسف الصديق بن أحمد بن عبد الله بن يعقوب الجامع، ويعتقد أن فتى بن فال الحسن ولد في حدود 1198 هجرية، ودرس في محاظر قومه قبل أن يتصدر للقضاء والقيادة والرئاسة.

وقد كان فتى كاسمه ذا فتوة ونبل وقيادة، وكان شاعرا بارعا ترك آثارا أدبية رفيعة.

وقد أدار الشيخ فتى بن فال الحسن الحياة العلمية والقيادة المجتمعية في قومه ومحيطه لعدة عقود، قبل أن يغادر الدنيا سنة 1288 هـ تاركا بصمة إبداع ثقافي عريق، ومخلفا أجيالا من أجلاء العلماء والمصلحين.

وقد ترك فتى بن فال الحسن آثار علمية متعددة منها:

  • نظم في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
  • نظم طويل في العقيدة
  • آثار شعرية متعددة
  • أقضية وأحكام متعددة

ثم خلفه على المحظرة من بعده: ابنه محمد محمود بن فتى ولم تطل فترة تدريسه في المحظرة بل تفرغ بها للقضاء وفصل الخصومات، وتولى التدريس في المحظرة أخوه العلامة الشيخ أبو بكر بن فتى، وقد توفي محمد محمود سنة 1323 هـ وترك آثار علمية متعددة، منها أنظام علمية وفتاوى وأقضية.

أبو بكر فتى ..الإمام السني والمجاهد المهاجر

يعتبر الشيخ أبو بكر ولد فتى صاحب تجديد واسع في تاريخ محظرة آل فتى ومنعطفا أساسيا من مسيرتها العلمية والتربوية، وقد ولد في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وأخذ عن والده الشيخ فتى بن فال الحسن، كما أخذ عن القاضي الحارث بن محنض الشقروي وأخذ المقرأ وعلوم القرآن عن الشيخ أحمد بن بدي العلوي.

وقد رفع منذ فتوته لواء السنة والتصدي للمسلكيات الشائنة في عصره، مثل الصلاة بدون وضوء، وغيرها، وقد عرف له المعاصرون له من العلماء مكانته وفضله، فمدحه باب بن الشيخ سيديا بأبيات ذائعة خالدة يقول فيها:

لله در فتى الفتيان نجل فتى من أيد الدين بالنص الذي ثبتا

ينفي عن الدين شبهات له قد اتت صحيفتان له بالحق قد اتتا

ما إن تزال لدين الله طائفة تحميه من كل باغ حيثما بغتا

فتارة بحسام الحق منصلتا وتارة بذباب السيف منصلتا

وإن منها بلا شك بني حسن حجوا الغلو فولى وهو قد بهتا

عضوا على السنة البيضاء ما التفتوا  عنها إلى محدثات السوء ملتفتا

فالله ينصرهم طرا ويرفعهم ولا أضاع الذي أسدوا ولا ألتا.

وقد كان الشيخ أبو بكر بن فتى من المفتين بوجوب الهجرة من البلاد بعد العجز عن مقاومة المستعمر، فشد الرحال إلى الحرمين وترك وصيته الشهيرة

إن الفرار عن أرض الكفر يا سكني من واجب الفرض لا من واجب السنن

إن أغد في طاعة الرحمن ممتثلا فلا أبالي بفقد الأهل والوطن

إن يرضه ظعني فحبذا ظعني أو يرضه سكني فحبذا سكني

 

وقد غادر الشيخ أبو بكر البلاد، وسارت به رحلته في سفينة بحرية توفي فيها وهي راسية قرب مدينة مارسيليا الفرنسية حاليا سنة 1324 هــ، وقد كتب أحد مرافقيه إلى أهله ناعيا الشيخ أبو بكر: لما تراءت أعلام مرسية كشفت شمس الحق.

وقد درس على الشيخ أبي بكر بن فتى عدد كبير من العلماء الكبار منهم على سبيل المثال

  • العالم المفسر الشيخ أحمدو بن أحمذيه
  • العالم القاضي الشيخ محمد عبد الله ولد أحمذيه
  • المقرئ الشهير سيدي الفالي بن محمودا
  • العالم الشاعر السيري محمدو بن الغزالي
  • العالم الأديب الشيخ عبد الله بن الغزالي
  • العالم الجليل محنض بن الحميدي
  • القاضي العلامة محمد عبد الرحمن بن السالك

رحمهم الله تعالى

كما ترك الشيخ أبو بكر بن فتى تراثا علميا متعددا منه على سبيل المثال:

  • كتاب استحالة المعية بالذات- رسالة في إبطال وحدة الوجود- أنظام متعددة في العقيدة والفقه واللغة والتزكية

وقد كان الهم التربوي غالبا ومؤثرا على الشيخ أبي بكر بن فتى، ولذلك أرسل وهو في سفره إلى الحج رسالة إلى مجموعته وقومه تضمنت نصائح وتوجيهات منها التذكير بقيمة الصلاة وفضلها، والحض على أداء الزكاة والتعاون والقيام بواجبي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثبات على الحق وعدم الركون إلى أعداء الدين والاعتناء بتربية القلوب وتزكية الأرواح.

وبعد رحلة الشيخ أبي بكر فتى تولى الراية من بعده الشيخ محنض بن فتى، كما استلم أيضا خطة القضاء في منطقته، وكان عالما جليلا مهيب القدر معروفا بالموسوعية، وترك آثار علمية منها كتاب في فصاحة الجيم الشديدة، ورسالة في أحكام الحبس، وقد توفي محنض وهو في سن الشباب عن عمر لم يزد على 45 سنة، وذلك سنة 1332 هج.

أحمد بن محمد محمود فتى ..إمام الورع وشيخ المربين

كان الشيخ أحمد بن محمد محمود بن فتى أبرز علماء الجنوب الموريتاني خلال القرن الرابع عشر الهجري ومن أعلاهم صوتا معرفيا وصيتا إصلاحيا، وكان قويا مهيبا حتى عرف بالفاروق لشدته في إنكار ما يرى أنه البدع والمحدثات.

درس الشيخ أحمد بن محمد محمود بن فتى على والده وأعمامه، كما درس على العلامة محمذن بن عبد الله التمكلاوي، ثم التحق بالشيخ يحظيه بن عبد الودود فترة من الزمن، قبل أن يقرر الالتحاق بالمقاومة في تكانت بعد أن بلغه وجود داعية مغربي إلى الجهاد يجند المتطوعين في تلك المنطقة، وعند وصوله إلى تكانت وجد الداعية المغربي قد عاد إلى بلاده  بعد وشايات من بعض السكان هنالك، فالتحق بمحظرة الشيخ محمد سالم بن عبد الرحمن التاكاطي ودرس عليه المقرأ بإتقان شديد.

ثم عاد أدراجه من جديد إلى محظرة الشيخ يحظيه بن عبد الودود، وأقام معه فترة طويلة، حتى اعتبر من ركائز هذه المحظرة الجامعة وإليه يشير الشيخ مم بن عبد الحميد بقوله

وقد تصدر عليه جم   مثل أبي وابن فتى ومم

وقد درست على الشيخ أحمدو بن أحمد محمود أجيال من العلماء منهم على سبيل المثال

  • الشيخ العلامة أحمد بن حموه
  • الشاعر الكبير محمدن بن ابنو
  • الفقيه الهادي بن محمد بن الهادي
  • الفقيه المدرس يوسف بن عبد الله بن أغيويت
  • العالم والطبيب محمد بن أوفى
  • الشيخ عبد الرحمن بن أوفى
  • المؤرخ الكبير أحمد سالم بن باكا
  • العالم الجليل والشاعر أبو بكر بن بده
  • العلامة عبد الرحمن بن أحمدو الغلام

وغيرهم عشرات من الطلاب من مختلف أنحاء البلاد

وقد ترك الشيخ أحمدو بن أحمد محمود بن فتى مؤلفات عديدة منها

  • تأليف في إبطال المعية بالذات
  • رسالة في شروط التربية وصفات الشيخ المربي

شرح رسم الطالب عبد الله

  • نظم طويل في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  • فتاوى ومراسلات متعددة
  • ديوان شعر حافل

وقد كان الشيخ أحمدو بن فتى شاعرا مفلقا، ومن قصائده الشهيرة لامية يعتذر بها إلى شيخه يحظيه بن عبد الودود، وقد وجد على تلميذه أنه لم يزره طيلة سنوات بعد أن صدره للعلم وأذن له بالتدريس، فما كان من التلميذ أحمدو بن فتى إلا أن يمم محظرة شيخه ومدحه بقصيدته الشهيرة

ولشدة انشغاله انقطع عدة سنوات عن شيخه: أباه فلم يرزه ولم يراسله..ولما مرت سنوات أحال الشيخ: أحمد صاحب نازلة فقهية إلى أباه ولما جاء صاحب النازلة إلى اباه أدرك أن الذي أحاله إليه إنما هو تلميذه الشيخ أحمدو وتذكر طول عهده به وأنه لم يزره ولم يراسله فكتب له رسالة مع صاحب النازلة وفهم منها الشيخ: أحمدو عتاب الشيخ اباه فما كان منه إلا أن أعد قصيدة عصماء في مدح الشيخ اباه واستعطافه واسترضائه ثم ذهب إليه رغم بعد المسافة حتى أناخ ببابه ثم أنشده:

ما بال صب عميد مغرم البال* لا بالخيال ولا بالمربع البال

ولا بخد ولا قد لفاتنة *ولا بتذكار أطلاء وأطلال

عز العزاء لأمر ماتذكره*إلا تعاطاه بلبال لبلبال

إني أقول لجثمان تعاوره * مر الليالي بأهواء وأهوال

وظن أن سوف يدنيه لمقصده تقريب أعيس أوإرقال

لذ بالملاذ المنيع الأعظم العال يوامدد يديك به للواحد العالي

وخذ بحقويه مما تختشيه وثق بالأمن من داهم داه وزلزال

واقصده للحاج إما إن تزر فحر بزائر الشيخ أن يحظى بآمال

ما نول مثلك أن ينتابه وجلإ إلا استراح من أوجاع وأوجال

 وافيت أمثل أهل العصر مرتجيا ما كان من مثله يرجوه أمثالي

إني بوصلته أرجو الهدى وبه أرجو من المتعالي محو أفعالي

فهو الملاذ لأهل العلم قدوتهم إلى العلي العزيز الواحد العالي

محيي الشريعة مبديها لقاصدهامبدي العلوم ومحيي ربعها البالي

 جالي دجنات ليل الجهل كاشفها بعلمه المستطير الصادق الجالي

يحسو ميممه صفو التصوف فيحال ارتغاء علوم الشرع في الحال

 إذ قد سقاه علوم الشرع ظاهرة شيخ المشايخ علا بعد إنهال

ثم اصطفاه بصفو من تصوفه  تالي الجنيد المربي نجل متال

فصار مجمع علم الأشعري مع الجنيد والأصبحي المرتضى مال

 أما المتمات فهو المستبد بها بين الأنام بلا ثان ولا ثال

تلك السيادة لا عرض ولاورق  ولا أقاطيع من شاء وٱبال

 جلت سجاياه أن تحصى وجلله رب الورى ربه أثواب إجلال

ياغرة الدهر ياشيخ الورى مالي عنكم سلو بإخوان ولامال

مالي وللصبر عما قد عنيت به من قبل ذا وبه علقت آمالي

ما خلتني خاليا من ذكركم أبدا ولست أسلوكم بالعم والخال

ما نمت بعدكم إلا تخيل لي منك الخيالات لا من ربة الخال

إن تعدني وصروف الدهر عادية منك العوادي بتقصير وإهمال

 واليوم أقبلت مشتاقا ومعتذرا عما أطلت من ادبار بإقبال

فلتقبل العذر مني واصفحن وكن كالوالد الصرف لا كالواجد القالي

 واقصد بهمتك الرحمن مجتهدا ليقضي الله ما أضمرت في الحال

لاتولني منك إعراضا فتقذفني في جال بئر نزوح القعر والجال

كعب توخى رسول الله معتذرا بالمدح عما مضى من شأنه الخالي

تجاوز المصطفى عنه وأعرض عن ماض الغلو وأعطى ثوبه الغالي

وإن لي أسوة بفعله ولكم بالمصطفى أسوة في كل الافعال

عليه أزكى صلاة الله يتبعها أسنى سلام مع الأصحاب والآل

توفي الشيخ أحمدو بن محمد محمود بن فتى عن عمر ناهز التسعين سنة 1981، وقد تقاطرت المراثي إثر وفاته من كل حدب وصوب، ومنها على سبيل المثال مرثية الشيخ محمد عالي بن عدود

بني الصالحين الصالحين تزوَّدوا  بزاد العلى قد عوَّدوا ما تعوَّدوا

فإن الفتى وابن الفتى وأبا الفتى تزوَّد زادا من تقى ليس ينفدُ

فعاش به عمرا حميدا مبجلا وخلَّف عمرا من ثنى يتجدَّدُ

أطيعوه فيما كان عوَّد واقتدوا فإني أراكم إن تُطيعوهُ تهتدوا

هو المرء لا حق عليه مضيَّع وليس يرى حقا على الناس يُعهدُ

فكم قاد ندبا للمعالي مُطاوِعا وكم ساق شيبا للهدى وهو أمْرَدُ

وكم صام يوم الصيف والرهط مفطر وأحيا ظلام الليل والقوم هُجَّدُ

وكم كف كفا عن منال بشبه وكم زَمَّ أنفا والمعاطس سُجَّدُ

وكم صان وجها والوجوه مُذالة وردَّ ابتداعا والفرائص تُرعَدُ

وكم صاب سهما حين طاشت سهامهم  وكم جاد فهماً حين غاروا وأنجدوا

وعاش بجدٍّ ليلَه ونهارَه  فما كان يوما من دَدٍ لا ولا دَدُ

إذا قيل أيُّ الناس أحمدُ سيرة  وأقوم قيلا قيل أحمدُ أحمدُ

لِسان سِنان في لسان وطاعةوقول بمعروف إذا صفِرَتْ يَدُ

ومهما تُصب من نكبة لم يُبل بها ويعلم أن اليوم من بعده غَدُ

وليس بمفراح إذا نال نعمة ولا بجداها وحده يتفرَّدُ

تُراث رجال سابقين تقدَّموا لهم في سماء المجد صرحٌ مُمرَّدُ

مقام إمام قام فيه أئمة همُ جدَّدوا ما قد بناه وشيَّدوا

فلولا رجاء الأجر فيه وأنه إذا قيل ولّى قيل هذا محمدُ

لفاضت عليه العين وهي سخينة وضاقت عليه النفس وهي تَردّدُ

عليه سلام الله منا ورحمةٌ  يتمُّ له منها النعيم المخلدُ

إليها انتهى ما قد تمنى وتنتهي  إليها أمانيُّ البنين فتُحمَدُ

الشيخ محمد عبد الرحمن بن فتى ..ناصر السنة وإمام التربية

يعرف عن الشيخ محمد عبد الرحمن بن أبي بكر بن فتى دوره العلمي الشهير في نصر الثابت من السنة، وخوضه في ذلك سجالات طويلة، زيادة على تميزه بعلم القراءات التي حصلها بعد رحلات طويلة في أنحاء متعددة من البلاد.

وقد درس الشيخ محمد عبد الرحمن القرآن على والده أبي بكر وعمه محنض، ثم انتقل إلى محظرة الشيخ سيدي الفالي بن محمودا فأجازه في قراءة نافع، قبل أن ينتقل إلى شنقيط التي درس فيها على عدد من العلماء، وجال في مكتباتها، قبل أن يعود بإجازة في القراءات السبع من الشيخ أحمد بن البخاري القلاوي

كما أخذ التصوف عن الشيخ أحمدو بن سيدآمين وأقام معه طيلة حياة شيخه.

وقد عرف الشيخ محمد عبد الرحمن بالذكاء الخارق والنباهة، وطول الوقت الذي يخصصه للمطالعة والبحث.

وقد درست عليه أجيال عديدة من العلماء منهم على سبيل المثال:

  • ابنه الشيخ أحمدو بن محمد عبد الرحمن
  • العالم أحمد بن سيدي
  • الشيخ الحارث بن الأمين
  • العلامة المقرئ الشيخ محمد شيثه بن محمد خليه
  • العلامة المقرئ عبد الودود بن حميه
  • العلامة المقرئ محمد بن حيمود
  • الشيخ العالم أحمد بن الأفظل

وغيرهم عشرات من العلماء والأدباء

وقد ترك آثار علمية متعددة منها

  • نظم في قراءة ابن كثير
  • نظم في أحكام التيمم
  • رسالة في صوم أصحاب الحرف
  • رسالة في الإمامة وحكم التطويل والتخفيف
  • رسالة في مواقيت الصلاة
  • كتاب في التصوف عن أحب الأعمال إلى الله
  • ديوان شعر حافل

وقد كان الشيخ محمد عبد الرحمن بحاثة منقبا في الكتب عارفا بالأقوال وتشهد لذلك آثاره العلمية ومنها قصيدته الدالية الشهيرة في ترجيح سنية القبض على السدل

دع الإكثار ويحك والتمادي بلا جدوى على الخبر المعادي

وخل سبيل أمر ليس يجدي  إذا نادى إلى العرض المنادي

فمهما رمت هذا السدل فاعلم  بأن السدل عم بذي البلاد

ومهما رمت سنة خير هاد  فإن القبض سنة خير هاد

ففعل القبض في الفرض اقتداء  بخير الخلق أقرب للرشـاد

به ورد الكتاب لدى علي وآثار تفوح بعرف جــادي

ويفعله الإمام وإن تسـلني فإن على أبي عمر اعتمادي

رواه الحبر أشهب وابن وهب  وأعلام المدينة خير ناد

وأصحاب الإمام رووه كلاً سوى ابن القاسم الحبر الجواد

وليــس كلامه نصاً فأنى يكون السدل أقرب للسداد

وفي ما في الموطأ وهو نص صريح ما يرد أخا العناد

وفي نص المدونة احتجاج لأهل القبض دون السدل باد

وفي نص النوادر وابن رشد حذامي القول أعلن بالمراد

وينمي لابن عبدوس وينمي ليوسف ذي العلوم والاجتهاد

كذا اللخمي والإكمال أدنى لدى فهم الذكي إلى مراد

كذا المواق وابن الحاج أيضاً أجادا الطعن في حجج المضاد

كذاك الجهبذ العدوي أيضاً بغير القبض ليس بذي اعتداد

كذاك الحبر الأجهوري أيضاً كفيل بالمراد لكل جـاد

كذاك أبو علي وهو أيضاً  بمجموع الأمير أخو اعتضاد

كذلكم الميسر والمحشي أخو الفهم الصحيح والانتقـاد

كذالك آخرون ذوو انتساب لمذهب مالك نجم الدآد

كذا باقي المذاهب فهي ألبٌ على السدل الضعيف لدى الجلاد

كذلك الأنبياء عليه طراً من أولهم إلى خــــير العباد

وللحبر ابن عزوز عليه من الأنقال ما يروي الصواد

وما للسدل من أثر ضعيف يكافح إن ألم به الأعاد

فأهل القبض أبهى الخلق نوراً وأقربهم إلى مجُري الأياد

فما للسدل فضل بعد هذا عليه سوى الشذوذ والانفراد

به ألقى الإله ولا أبالي وإن سلقوا بألسنة حـــداد

وألغي ما سواه ولست أصغي لمانع الاقتداء بخير هاد

وإن يكره فليس الكره إلا لقاصد الاعتماد والاستناد

وما الرحمن جل له محب إلى التصويب أقرب في اجتهاد

يحرك ساكني ويشد أزري ويدفع ما تلجلج في فؤادي

وإن ينل المخالف منك يوماً وشدد في النكير للاعتياد

فذا فعل النبي فلا تدعه لإرضاء الصديق ولا المعـادي

فقد قلدت أهل العلم منا م ع المروي عن خير العـباد

صلاة الله يتبعها سلام  على الهادي إلى طرق الرشـاد

الشيخ أحمدو بن فتى ..مجدد التصوف وإمام التربية

كان الشيخ أحمد بن محمد عبد الرحمن بن فتى ظاهرة موسوعية قل أن يعرف له نظير لما عرف به من نباهة وذكاء متوقد، ومن علم دفاق، رغم أنه لم يعمر طويلا.

وقد درس الشيخ أحمدو على والده الشيخ محمد عبد الرحمن وعلى أخواله آل أحمذيه، ولم تطل فترة دراسته، لما وهبه الله من ذكاء ومن قدرة على التنقيب في الكتب، وقد اجتمعت له مكتبة ضخمة اعتبرت في منطقته من أكثر مجامع الكتب في البلاد.

وقد ولد الشيخ أحمدو بن محمد عبد الرحمن  في حدود 1377 هـ، وقد كان يدرس مع التلاميذ أول النهار ثم يروح إلى شيخه ليدرس فنا آخر، كما كان شيخه العلامة محمد حامد بن آلا قد وهبه حصة فردية من التدريس لما لمس فيه من نبوغ وفضل.

وقد اشتهر أحمدو بالعلم والصلاح ولذلك وصفه العلامة نافع بن حبيب في وفيات السنين بقوله

وفيه صرف دهرنا قد ألفتا وجه المعالي بوفاة ابن فتى

الشيخ أحمدو أخي المكارم العالم بن العالم بن العالم

ترك الشيخ أحمدو بن فتى آثارا علمية واسعة منها:

  • كتاب العقائد الإسلامية
  • كتاب السنة المظلومة باسم البدعة المزعومة
  • الاستقامة الكاملة في العقيدة
  • الأدلة على تأويل المعية في العقيدة
  • نظم مختصر الشيخ خليل في الفقه
  • رفع الإشكال في مسألة الهلال
  • نظم في فقه الحج وآدابه
  • تناسب  المباني وتجاوب المعاني في تفسير الفاتحة
  • نظم في قواعد الآيات في علوم القرآن
  • فلاح المسلم في التصوف

وقد درس على الشيخ أحمدو عدد من العلماء منهم على سبيل المثال

  • العالم الجليل الشيخ باباه بن الأفضل
  • الشيخ محمدن بن الشيخ محمد عبد الرحمن بن فتى
  • العلامة الحسن بن أبا
  • الشيخ أبو بكر سيلا من دولة غامبيا
  • الشيخ الحاج فوفانا من ساحل العاج
  • الشيخ محمد عبد الرحمن بن أحمد الملقب ولد فتى

وغيرهم كثير.

وقد عرف الشيخ أحمدو بجزالة ووفرة الشعر، حتى قيل إن ديوانه قد يتجاوز 20 ألف بيت إن جمع واشتهر بقصائده القرآنية ومدائحه النبوية الشريفة

مرض الشيخ أحمدو بن فتى في آخر حياته ورفض عروض تلاميذه بالسفر إلى فرنسا للعلاج، قائلا إذا كان لابد من السفر فليكن إلى بلد إسلامي غير أن المرض عاجله حيث توفي في دكار سنة 1408 هجرية ودفن في مقبرة أسلافه في قرية تنكادوم بمقاطعة الركيز

ومما قيل في رثائه قصيدة العالم الجليل محمد الحافظ بن السالك العلوي

بخطبك يا ذات القدوم نساء ورزءك فيه المسلمون سواء

وما مسلم إلا ومن نوء دمعه سينحل من فرط البكاء وكاء

ولا غرو أن يبكى ويفرض ندبه فللدين والدنيا عليه بكاء

لتبك عليه سنة أحمدية لها عنده يلفى سنى وسناء

ويبكيه إرشاد ووعظ وحكمة ويبكيه بالوفر الجزيل عطاء

محاظر متعددة ..وأجيال علمية مستمرة

يتوزع تراث محظرة آل فتى اليوم بين عدة محاظر متعددة، منها محظرة تنكادوم الأثيرة التي يصدر عنها سنويا عشرات الحفاظ والمجازين، ويتوافد عليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، ومنها محظرة قرية انوشار، إضافة إلى محاظر متعددة داخل البلاد وخارجها، مخلدة بذلك تاريخا عصيا على الاندثار وعطاء علميا خالدا.