حتى لا يستخفنا الذين لا يوقنون/ د. محمد المختار المهدي

قالوا إن رؤية الهلال مستحيلة ليلة الثلاثين من رمضان؛ لأن الهلال سيغيب قبل أن تمكن رؤيته، فلماذا التحري إذن!

وأنا هنا لا أريد الخوض في ذلك الجدال الفقهي القديم المتجدد مع حلول كل مناسبة شرعية، ولكنني أود أن ألفت الانتباه إلى بعض الأمور التي أرى ضرورة الوقوف عندها، وذلك فيما يلي:

 أولا: يجب التفريق بين الوسائل الشرعية وغيرها من الوسائل المادية البحتة، ذلك أن الوسائل الشرعية لها مقاصدها وأهدافها التي قد تكون غير معلومة لكل الناس، ولكنهم مطالبون باقتفائها.

ثانيا: الشريعة لا تهمل الوسائل المادية كليا أو تنكرها، بل إن الوسائل المادية مرحب بها ومقبولة بشرطين:

1. ألا يخرق استخدامها  أو يعارض قاعدة أو مبدأ شرعيا مقرارا.

2. ألا يقع إفراط  في استخدامها حتى تخرق مبدأ الغيبة في الشريعة الإسلامية.

فمهما ظهر من تطور الوسائل المادية فإنها تبقى قاصرة عن أن تسد مسد الوسائل الشرعية أو تقوم مقامها؛ ذلك أن الوسائل الشرعية تحافظ على أمور يحتاجها المجتمع في اعتقاده وتعبده ومعاملته، وهي أساس من أسس فلسفة الإسلام في بناء العقيدة، وإقرار التشريع، ويمكن أن نرصد من تلك المقاصد في باب العبادات: مبدأ "الغيبية"، وفي باب المعاملات: مبدأ "التديين"، وفي باب العلاقات الاجتماعية: مبدأ "الأخلاقية". وهذه الأمور الثلاثة وإن كانت تتداخل وتترابط بحكم أن فلسفة الإسلام في تقرير الأحكام كلها تدور حولها، إلا أننا سنضرب لكل منها مثالا أو أمثلة فيما يلي :

1.   مبدأ الغيبية: وهو أن الإسلام مبناه على الإيمان بالغيب، فالمؤمن في تعبده لا يعلم وجه العلة لما يقوم به ولا يدرى له معنى، وإنما يتعبد "إيمانا واحتسابا"؛ فيقوم بأمور غير معقولة المعنى ولكنه مأمور بامتثالها، فلو ذهب يطلب لها معنى أو علة لزلت قدمه، ومن ذلك ما نراه من تهافت بعض الناس على إعطاء العبادات معنى أو تفسيرا ماديا، مثل ذكر الفوائد الصحية للصوم أو الصلاة..الخ. فإن الإفراط في أمور كهذه والتوسع فيها يخرق مبدأ الغيبة.

2.   مبدأ التديين: وهو أن نكل الناس إلى دينهم في بعض الأمور، وهو أسلوب شرعي معروف وناجع، ذلك أن الوسائل المادية مهما بلغت من التطور والبراعة لن تستطيع مواكبة خلجات نفوس بني البشر، ولا مسايرة خطراتها التي لا يعلمها إلا من يعلم السر وأخفى. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو العالم بفنون القضاء، الموجه من رب العالمين لا يكل صحابته إلى الوسائل القضائية المادية بل إنه يدينهم ويرشدهم إلى مراعاة رقابة الله تعالى وما يعلمه مما تكنه صدورهم.. قال صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها". 

وكذلك فإن التلاعن في الأنساب فيه تديين للناس وربط لهم بخالقهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات: بالله، ومخافته غضب الله ولعنته يحمل من دلالة التربية والتديين ما لا تحمله أجهزة صماء قد يضل صاحبها أو ينسى.

قلو سأل سائل: إن النسب اليوم أصبح بالإمكان التحقق منه فلماذا اللعان؟ والجواب أن النسب وإن كان رابطة دم فإنه في المقام الأول: "لحمة شرعية" ورابطة أقرها الشرع ؛ لذلك يجب أن تراعى فيه المعايير الشرعية أكثر من غيرها، طبعا لا ينبغي إهمال المعايير الطبية كليا - خاصة إذا كانت صارخة الوضوح، جلية البينات لا شية فيها، بحكم وسائل التقدم العلمي-، حتى ولو رفضتها المعايير الشرعية؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبرها. رغم عدم اعتداده بها لمصادمتها المعايير الشرعية، ورغم ذلك فقد أعطاها حظا من الاعتبار "احتجبي منه ياسودة".

وأصبح العلم اليوم بإمكانه أن يحدد زمان ميلاد الهلال وإمكان رؤيته من عدمها، ولقائل أن يقول إن هذا يكفي عن طلب رؤيته بالعين المجرد واتخاذ سبيل البينات لإثباته، لكن طلب الشهادة من الناس وتعديلهم، وتذكيرهم بربهم فيه مقصد شرعي متعلقه تربية الناس وتديينهم، وابتلاؤهم، وفي صوم الناس بهذه الرؤية واعتمادهم لها تقوية لنوازعهم الدينية وتعلق بقواعدهم الشرعية، خاصة أنهم بصدد أداء عبادة يناسبها المغيب وينافيها المشهود والمعقول، فناسب أن نغلب فيها بعد الغيبية والتديين.

3.   مبدأ الأخلاقية: وهو أن الشريعة الإسلامية قد احتوت على بعض الأوامر والنواهي غير الجازمة، فلا يخاف العبد بارتكابها أو تركها عقوبة، لكنه يعمل بمقتضاها عملا أخلاقيا، ومن ذلكم حكم المكروه والمندوب في الشريعة الإسلامية.

فهناك بعض الأحكام الهادفة إلى صبغ المجتمع بصبغة أخلاقية ينبغي مراعاتها، وعدم القفز على مقاصدها، فالأمور كلها لا ينبغي ضبطها بضابط القانون، ولا يمكن أن تصاغ في قالب الجبر والمنازعة، بل ينبغي أن يكون بعضها متروكا لنوازع الخير، ودوافع الإيمان..

ومما يذكر في هذا المجال حكم الوصية عند من لا يرون وجوبها، وحكم متعة المطلقة، فقد انفرد المالكية بالقول إن حكمها الاستحباب فلم يروها واجبة خلافا للجمهور. ذلك أن الأخلاق مطلوبة ومتشوف لها في باب النكاح (ولا تنسوا الفضل بينكم)  فمثل هذا النوع من الأحكام يرمي إلى بناء وتأسيس المجتمع الفاضل وترك مساحات للخيرين للتحرك بعيدا عن جبر القانون، بل طلبا للفضل والمثوبة؛ لذلك يلزم الانتباه إلى مثل هذه الأمور وأخذها بعين الاعتبار؛ لأنها تعكس جمال الشريعة وتمثل سبيلا إلى لارتقاء بالمجتمع، وهي مطلوبة في العلاقات بين الناس في باب النكاح وغيره..

فمتعة المطلقة تمثل نوعا من الإحسان بين الأزواج ينبغي تركه لاختيار الزوج؛ فهي حق على "المحسنين" على "المتقين" يتميزون به عن غيرهم، ويظهر به صفاء معدنهم وسمو أخلاقهم. والوصية في المال كذلك جعلها الله سبحانه وتعالى لذات الغرض؛ حتى يتنافس الناس في البذل ويتسابقوا في الخيرات، ويترك لهم هامش من فعل الخير يمارسونه بمحض إرادتهم دون أن يصلت عليهم سيف القانون، أو تثقل كواهلهم بالحقوق.. يقول ابن العربي: " {حقا على المتقين }: فهذا يدل على كونه ندبا؛ لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله تعالى من يتقي، أي يخاف تقصيرا، دل على أنه غير لازم، وقد بينا أنه يتصور أن تكون الوصية واجبة على المسلمين إذا كان عليه دين وما يتوقع تلفه إن مات فتلزمه فرضا المبادرة بكتبه، ولكن ليس من هذه الآية، وإنما هو من حديث ابن عمر، ومما صح من النظر، وأنه إن سكت عنه كان تضييعا له".

 من خلال النظر وإعادة النظر في كلام ابن العربي هنا ترى دقة مأخذ المالكيين وعبقرية مذهبهم في النظر إلى النص القرآني واستثمار عباراته ودلالاته استثمارا مقاصديا أخلاقيا توحي به عبارتي "المحسن" "المتقي".

وانطلاقا مما سبق فإن طغيان المادة وبهرج زينتها وبراعة وسائلها لا يمكن أن يعجلنا عن الوسائل الشرعية التي تحوز من المقاصد والأهداف ما لو تأملناه وعملنا بمقتضاه لكان أجدر  أن نصير به من المؤمنين وألا يستخفنا الذين لا يوقنون.

والله تعالى أعلم.