العمدة الحسن بن محمد في لقاء مع موقع الفكر... بلدنا ضعيف ويحتاجنا جميعا

العمدة الحسن بن محمد في لقاء مع موقع الفكر

في إطار مواكبة موقع الفكر لمجريات الساحة الوطنية، وسعيا منا إلى إطلاع متابعينا الكرام على تفاصيل الأحداث، بتحليل متوازن، ونقاش متبصر، نلتقي اليوم مع إحدى القامات السياسية بالبلد،  ممن خبرن دروب العمل التنموي والتنمية المحلية، نحاوره ونستجلي من خلاله ما وراء الخبر، في لقاء شامل يتناول واقع وآفاق العمل البلدي، وأبرز معوقات ومشاكل العمل المحلي، بالنسبة لبلديات نواكشوط ومثيلاتها بالمدن والأرياف، كما يتطرق النقاش لتجربة ضيفنا السياسية الثرية، خاصة في فترة قيادته لمؤسسة زعيم المعارضة في ظرفية من أدق وأصعب المراحل التي مرت بها، إضافة إلى جهوده في تقويم وترشيد العمل المعارض.

 فأهلا وسهلا بضيفتنا الكريم العمدة الحسن بن محمد.

موقع الفكر: نود منكم تعريف المشاهد والقارئ بشخصكم الكريم من حيث الدراسة والشهادات والوظائف التي تقلدتم؟

 

العمدة الحسن محمد: بسم الله الرحمن الرحيم، أولا أرحب بكم في موقع الفكر وأرجو لمشروعكم التوفيق.

أما فيما يخص التعريف لا أحتاج أن أطيل فيه، فأنا الحسن بن محمد من مواليد 1969م ودرست في البداية دراسة محظرية ثم التحقت بالجامعة بعد أن ترشحت للباكلوريا  تشرحا حرا ودرست في كلية القانون وكنت أزاول الدراسة في معهد ابن عباس في نفس الفترة وأثناء الدراسة بدأت اهتماماتي بالعمل السياسي والنقابي، وقد شغلت مناصب سياسية منذ أن كنت طالبا وكانت المحطات التي مررت بها هي:

محطة تأسيس الاصلاحيين الوسطيين التي ساهمت فيها، ثم أصبحت قياديا في حزب تواصل بعد ذلك ومارست مهامي كعمدة لبلدية عرفات من نهاية عام 2006 حتى اليوم، ثم شغلت منصب زعيم المعارضة الديمقراطية من عام2014 حتى عام 2018 م.

 

- موقع الفكر: نطلب منكم أن تحدثونا عن الوضعية العامة لبلدية عرفات وما هي أهم المشاكل التي يعاني منها السكان؟

- العمدة الحسن محمد: لا يمكن الحديث عن بلدية واحدة بمعزل عن واقع اللامركزية في موريتانيا فالبلديات تأتي تجسيدا لما يسمى بالحكم المحلي أو اللامركزية وهو أن تتنازل الدولة المركزية عن بعض مهامها وصلاحياتها لصالح منتخبين محليين تسند إليهم القيام بأمور أساسية موجهة للساكنة، والدول التي انتهجت هذا النهج جنت ثمار ذلك لأنها تعاونت على حمل الحمل، والبلدان التي ظلت فيها السلطة مطلقة ظلت فيها المفسدة كذلك مطلقة وظلت غائبة عن التنمية والمشاركة الفاعلة.

 في موريتانيا بدأت اللامركزية أواخر الثمانينات لكنها بدأت بدون إرادة سياسية حقيقية، ولعل في الأهداف التي رسمت لها وقتها - أقصد الأهداف الحقيقية ولا أقول المعلنة - مستوى من المحاكاة والتقليد؛ وهي:

أولا: بما أنه عند الآخرين بلديات يجب أن تكون عندنا بلديات

ثانيا: هو مستوى من استدرار التمويل الخارجي فالحكومة المركزية مثلا قد لا تحصل على تمويلات فلتكن لدينا بلديات لنحصل من خلالها على التمويلات.

ثالثا: كان هدفا استيعابيا في ما يسمى بالمسار الديمقراطي الناشئ فهذا المسار به وظائف توزع محليا والمجتمع مجتمع مركب والحزب الحاكم يحرص على السيطرة على الجميع؛ لذلك خلق برلمانا ليكون نصيبا لمجموعة ومجلس شيوخ ليكون نصيبا لمجموعة أخرى وبلديات لتكون نصيبا لأخرين، ولم تكن هناك في يوم من الأيام إرادة للامركزية حقيقية أو صلاحيات وموارد حقيقية للبلديات.

 ظلت الصلاحيات والموارد معلقة إلى اليوم ولم تتنازل عنها الحكومة للبلديات، إنما أنشأت أجساما موجودة من الناحية الشكلية والقانونية ولكنها من حيث القدرة والوسائل عاجزة - في عمومها - عن أن تقوم بدور يذكر.

الفترة الوحيدة التي تمت فيها محاولة تجاوز هذا الواقع هي فترة الرئيس المرحوم سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله حيث فصل اللامركزية عن الداخلية وأنشأ لها وزارة مستقلة وبدأت هذه الوزارة تفكر مع المنتخبين المحليين في تطوير البلديات ثم التفكير في المستوى الثاني - أي الجهات - لكن هذا المسار تم القضاء عليه بالانقلاب على المرحوم وانتقلنا من اللامركزية إلى " اللا " المركزية  وهي التمركز الحقيقي، في ظل هذه الأجواء يمكن أن يقول متابع " ما هو غرض حزب جاد أو مسؤول جاد أن يكون جزءا من هذا الواقع ؟

وهو سؤال وجيه ووارد، لكن يمكن أن تتم الإجابة عليه بأن البلديات أيضا أصبحت - رغم هذا الواقع - محورية في هذا المسار، فالحزب من أجل أن يحصل على تمويله من الحكومة يحتاج إلى أصوات البلديات والبلديات فقط، والحزب لكي يدخل مجلس الشيوخ يحتاج مستشارين، والحزب لكي يستوعب الواقع ويعرف هموم المواطنين يحتاج أن يدخل البلديات، ولكي "يرمز" ويصنع قيادات يحتاج إلى بلديات، الحزب من أجل أن يقدم ما يستطيع تقديمه يحتاج إلى بلديات، وفي النقطة الأخيرة تختلف الأحزاب والمشاريع والمنتخبون، من منهم يستطيع أن يعمل شيئا في ظل هذا اللاشيئ ومن منهم لا يستطيع ولا يريد أن يعمل شيئا في ظل هذا الواقع ويريد فقط أن يبني نفسه ويحصل على مكاسب غير مشروعة أو يتربح أو يتكسب بمنصب من هذا النوع، فهذا هو الفرق بين المنتخبين المحليين في الفترة الماضية.

 أما اليوم فيمكن أن أقول إنه أصبحت هناك بوادر لوضع قد يكون أفضل ففي السنة الأخيرة تم الاتفاق على استراتيجية للامركزية من قبل الحكومة، وننتظر أيضا هذه الأيام وجود مجلس أعلى للامركزية يترأسه رئيس الجمهورية ثم أيضا على مستوى مدينة نواكشوط حصل انفراج؛ لأن بلديات نواكشوط كانت محاصرة بالواقع السابق، مضافا إليه واقع المجموعة الحضرية فقد كانت المجموعة الحضرية عبئا وحملا ثقيلا على بلديات نواكشوط، لأنها كانت تقعد لهم سبيل كل الوسائل المالية تقريبا وتمتص أكثر من 80% من مداخيل مدينة نواكشوط، ويبقى للبلديات حدود 10 أو 20% فقط، بعد زوال المجموعة الحضرية تنفست بلديات نواكشوط الصعداء وأصبح بإمكانها انتظار موارد جديدة والقيام بأدوار لم تكن تقم بها في الماضي.

 أما فيما يخص بلدية عرفات - في ظل هذا الواقع الذي ينبغي أن نفهمه وهو واقع صلاحيات البلديات فيه محدودة ومواردها كذلك ولا تتمتع بقوة عمومية، لا بشرطة بلدية ولا بقوة من طرف الحكومة ومنزوعة الكثير من صلاحياتها كالنظافة التي انتزعت منها منذ 2007 حتى اليوم، رغم مطالبة العمد بها، بقي أن تختلف البلديات فيما تقدمه للساكنة وفي أسلوب عملها- فنحن نصنف أنفسنا، ويصنفنا المراقبون والدولة والشركاء أننا في مصاف البلديات لكننا في مصاف بلديات موريتانيا، فمن يسمع اسم "بلدية" عندنا ينبغي أن لا يقيسه على البلديات في البلدان الاخرى المتقدمة، ولا نقارنها بالدول المتقدمة وإنما نقارنها بما هو موجود عندنا.

 نحن نحرص من أول يوم على أن تكون البلدية نموذجا في مبناها وهيكلتها وشفافيتها وحقوق عمالها وظروف عملهم، كما أننا حريصون أيضا على أن تكون نموذجا في تقديم ما يمكن تقديمه للساكنة.

 نحن نهتم بالتعليم الأساسي ونرمم المدارس وندعم العملية التربوية، ونشجع المتفوقين، ونهتم بالصحة من حيث الترميم والإضافات، وبناء المرافق الصحية القاعدية، ونعمل أعمالا كبيرة في هذا المجال، ونهتم أيضا بفك العزلة في الفترات السابقة، حيث كانت الحكومات الماضية تتجاهل بناء طرق على مستوى بعض المقاطعات ومنها بلدية عرفات، وهذه الحكومة والتي قبلها - للأمانة - شقت في السنة الماضية من الطرق في عرفات ما لم يشق في المقاطعة منذ إنشائها، فقد منحتها 7 كلم.

 نهتم أيضا بترميم وصيانة المساجد ودعم الأئمة وشيوخ المحاظر، كما نهتم بالشباب والرياضة أيضا، ونهتم بالشؤون الاجتماعية بشكل كبير.

  بمقارنة بسيطة نلاحظ أنه في سنة 2006 كانت ميزانية الشؤون الاجتماعية 500.000 والآن في 2020 ميزانيتها أضحت 24.000.000 وفي السنة الماضية كانت14.000.000 ، إذا، نحن نحاول - وفق الصلاحيات والموارد المتاحة - أن نقدم كل ما يمكن تقديمه .

 

- موقع الفكر: ما أبرز التحديات التي تواجهكم في البلدية ؟

العمدة الحسن محمد: دائما أقول بأن التحديات متشابهة في مختلف البلديات ومن تلك التحديات غياب الإرادة السياسية ونقص الموارد والصلاحيات وغياب قوة عمومية بلدية، وتأتي بعد ذلك تحديات المجتمع، والتي تتمثل في عدم رغبة المواطنين واستعدادهم لدفع الرسوم والضرائب، وتأتي أيضا المسلكيات الفردية والجماعية، وهذه هي أبرز التحديات التي تواجه كل عمدة وبالتالي نحن يصلنا نصيبنا منها باعتبارنا أكبر بلدية من حيث عدد السكان، فنحن لدينا تجمع بشري كبير -ولله الحمد- وفي حيز جغرافي محدود.

 وتأتي مشاكل البلدية الأخرى كنقص الأراضي فنحن على مدار السنوات الماضية كنا طلبنا منح بعض الأراضي لنقيم فيها مشاريع سواء عن طريق مواردنا الذاتية أو ما يصلنا من الحكومة أو من خلال تعاوننا الخارجي لكن الحكومات المتعاقبة ظلت تمانع في منحنا ما أردنا.

لم تمنحنا الحكومات المتعاقبة الأرض؛ لتأخذها بعد ذلك وكالة التنمية الحضرية أو المواطنون قسرا "يكزروها" فلاهي حصلت عليها البلدية، ولاهي بقيت احتياطا عقاريا لدى الحكومة، وإنما تذهب هدرا.

 

موقع الفكر: هل كان سببا في إلغاء مشروع معين كان يمكن أن يتم إنجازه ؟

العمدة الحسن محمد: نعم أكيد، فنحن نطلب الأراضي لنشيد عليها مباني ومرافق تخدم الساكنة، في غياب هذه الأراضي وفي ظل عدم حصولنا عليها فاتتنا فرص كبيرة منها استثمارات خارجية وأخرى داخلية، ونحن الآن نرمم بعض النقاط الصحية والمدارس ذلك أن الكثير من تدخلاتنا أصبحت في دائرة حفظ وتطوير الموجود لأن المفقود لا نجد أراضي لنقيمه عليها؟.

 

- موقع الفكر: كيف تواجهون الفوضى العارمة في استخدام الدمين العام؟ 

- العمدة الحسن محمد: هي فوضى عارمة كما وصفتموها والبلديات عاجزة عن مواجهتها بحكم غياب قوة عمومية، رغم أن القانون ينص على أنه يجب أن يكون للبلديات شرطة بلدية،  إلا أن الحكومة لم تصدر مراسيم تطبيقية لهذه القوانين، ولم تمنحنا قوة عمومية، و عندما تكون أمام مجتمع فيه الكثير من الفوضوية والبدوية والأنانية وكل واحد يريد أن يحتكر لنفسه، وتكون أمام بلدية ليس لها شرطي، وليس لها قوة عمومية! وإذا أضفنا إلى ذلك أن النظافة التي تتداخل مع هذا الموضوع منزوعة من البلديات في نواكشوط ومحرومة منها، فالأنظمة السابقة ظلت حريصة على ألا تكون خدمة النظافة عند البلديات؛ فعندما تسأل عن المبررات لا تجد مبررا مقنعا؛ لأنه إذا كانت البلديات لا تملك موارد فالدولة تصرف الموارد  على هذه النظافة لشركات خصوصية، تارة تكون خارجية وتارة تكون محلية، وإذا كان السبب خوف أن تكون الخدمة ضعيفة فالخدمة قد ظلت ضعيفة إلى يومنا هذا، ويقال إن هناك خلفية سياسية تارة لهذا الموضوع، مرة كنت أحاور أحد أركان النظام حول هذا الموضوع فقال لي نحن إذا أعطينا النظافة للعمد نتوقع أنكم أنتم كعمد لتواصل ستقومون بالأمرعلى الوجه المطلوب وتصرفون الأموال في حقها ومستحقها لكننا نخاف على زملائنا (يقصد عمد الأغلبية) ألا يوجهوا هذه الأموال لهذا الموضوع فيظهر الفارق أمام المواطن وأمام الرأي العام، فأنا دافعت عن زملائي عمد الأغلبية وقلت له: لا يا أخي، هؤلاء رجال وحريصون على النجاح وحريصون على تأدية واجبهم، لكن هذه الخلفية ربما يسوق بها بعض المسؤولين للقيادات العليا هذا الموضوع؛ لكي يستفيد أولئك الموظفون الدونيون من أولئك التجار.

ربما يسوقون بهذه الأمور وبخلفيات أخرى من هذا القبيل.

- موقع الفكر: ما هو تقويمكم لأداء السلطة المحلية وتعاطيها مع الإشكاليات التي تواجه البلديات ؟

العمدة الحسن محمد: عموما السلطات المحلية من حاكم ووالي وسلطة أمن ربما يكون في مخيلة كثير منهم أنهم ند للبلدية وأن البلديات تأخذ من صلاحياتهم – ومن الأكيد أن فيهم مقاومة تلقائية لكل تعزيز للامركزية ويعتبرونه على حساب نفوذهم ومواقعهم - لكنهم في النهاية انعكاس للإرادة العليا، إذا حصلت إرادة عليا لدى رئيس الجمهورية والحكومة فهم في النهاية منفذون لتلك السياسات، تبقى بعد ذلك انطباعات ومواقف الأشخاص وتصرفات بعض الأشخاص، وعموما أي عمدة له عقل ويعرف مكانه ودوره يمكنه أن يسير علاقاته بالسلطات المحلية في حدود الصلاحيات الواضحة لكل واحد منهما.

 

- موقع الفكر: كيف تؤثر التقاطعات بينكم والمجالس الجهوية من حيث الصلاحيات على دور البلدية ؟

- العمدة الحسن محمد: يفترض ألا يكون هناك تقاطع بين البلدية والجهة؛ لأن المشرع يحدد صلاحية لكل واحدة منهما، ومن قواعد اللامركزية أنه لا توجد جهة لا مركزية تتبع لها جهة لا مركزية أخرى، فهما من ناحية القوة القانونية متساويتان، فالعمدة يكتب مباشرة لوزير الداخلية واللامركزية، مثل ما يكتب رئيس الجهة؛ ومجال اختلافهما إنما هو في الصلاحيات، ذلك أن العمدة صلاحياته في مجال التعليم: التعليم الأساسي والآخر صلاحياته في التعليم الثانوي، أن العمدة صلاحياته الصحية في مجال المراكز الصحية والآخر في مجال المستشفيات، أن العمدة في الشبكة الطرقية الداخلية وأن الجهة في الشبكات الطويلة، فالمشرع يوزع المهام بينهما بحيث لا يكون هناك تداخل.

 مشكلة الجهات عندنا هي أن الجهات في الأصل تمثل مستوى ثان من اللامركزية، ونحن في موريتانيا قد انتقلنا إلى المستوى الثاني قبل النجاح في المستوى الأول فكان من المناسب أن نعطي للبلديات صلاحياتها ومواردها وحقها ومستحقها وبعد أن تنجح ننتقل للمستوى الثاني - أي الجهات - لكن كانت عندنا مجالس محلية معطلة (بلديات) فجاءت إليها مجالس جهوية لتزيد الطين بلة..

 وعموما- مع مرور الوقت ومع الممارسة- لا أنفي أن البلديات قطعت أشواطا وقام بعضها بأمور مهمة وهي الآن تقوم بأدوار أساسية وفاعلة وأصبحت تفرض نفسها على السلطات، لكن الباقي هو الإرادة وأن تمنح البلديات حقها والجهات كذلك حقها، ولا تناقض ولا تعارض ولا تداخلات بينهما.

 

- موقع الفكر: ما هي الأهداف المتوسطة والقريبة التي تعملون عليها في البلدية ؟

العمدة الحسن محمد: نحن في البلدية نضع مخططا تنمويا متوسط المدى ونستل من هذا المخطط خططا سنوية حسب الإمكانيات السابقة، والمجالات التي يحددها لنا القانون، ونعمل من خلال خطط مرسومة وليست لنا عشوائية، ولا فوضوية في عملنا المستمر.

- موقع الفكر: ما هي جهود البلدية في مواجهة جائحة كورونا ؟

- العمدة الحسن محمد: بعد ظهور أول حالة في الجائحة أصبحنا في البلدية في حالة طوارئ وشكلنا لجنة لإدارة الأزمة وعملت تلك اللجنة على مختلف الأصعدة، قمنا بتنظيف وتعقيم مقر البلدية واحترام الاجراءات الاحترازية داخله، وبدعم المراكز الصحية بتوفير كل المستلزمات التي يحتاجونها من أدوات تنظيف وتعقيم وكمامات وغير ذلك..، ثم قمنا أيضا بتوعية الساكنة من خلال المناشير والملصقات والفرق الراجلة، وبإعطاء عطلة للعمال الذين يعانون أمراضا مزمنة، ثم قمنا بمحاولة لمعالجة ما ترتب على الجائحة من آثار سواء في المساعدات الاجتماعية التي قدمناها للساكنة أو من خلال معالجة ما نجم عنها من أوضاع اقتصادية، فقد سنينا سنة إعفاء أصحاب النشاط التجاري نصف سنة من الضرائب، وتبعتنا بعض البلديات في تلك السنة، وهذه- ولله الحمد- سمة من سماتنا، وهي أننا كلما اتخذنا خطوة تقوم البلديات الأخرى بمحاكاتنا فيها، فنحن تقريبا أول بلدية أمنت عمالها لدى صندوق التأمين الصحي، وأول بلدية كان لها موقع الكتروني، وأول بلدية أصبح لديها شعار فقد اخترنا شعارا للبلدية عبر منافسة مفتوحة، فنحن نبدأ بأمور وفي الغالب يحاكينا فيها الآخرون، وهذا كله لا يمنعنا من الاستفادة من تجارب الآخرين ومن أعمالهم وما يتقدمون به علينا.

 

- موقع الفكر: تعرضتم للكثير من المضايقات في فترة الرئيس السابق فحبذا لو ذكرتم لنا نماذج منها؟

- العمدة الحسن محمد: صحيح، للأمانة فإن أغلب المضايقات التي تعرضنا لها أكثرها تشترك معنا فيه بعض البلديات، فالنظام السابق - بحكم الفترة التي قضاها وهو جاثم على صدور الموريتانيين - تأثر كل المنتخبين من تصرفاته لكننا ربما نكون في عرفات أكثر من تضرر، تارة من ناحية الاستهداف المباشر، فقد كانت تأتينا في كل سنة تقريبا جهة تفتيش، إما محكمة الحسابات، وإما المفتشية العامة للدولة، أومفتشية المالية، أومفتشية الداخلية، كان هذا بشكل مستمر، ومن ناحية أخرى- كما قلت لكم سابقا - منعنا من حقوقنا في أن  تمنح لنا بعض الأراضي، وتمت مضايقتنا في علاقاتنا الخارجية؛ فقد أقمنا- بوسائل وعلاقات خاصة- توأمة مع بلدية تركية وعندما جاءنا الوفد التركي زائرا لتقييم حاجياتنا وتقديم ما يمكن للساكنة طاردته الشرطة في الشوارع، وعندما قمت بزيارتهم في تركيا صرحوا لي بأنهم كانوا وما زلوا على استعداد لتقديم العون، لكن النظام حذرهم أن أي دعم مقدم للبلدية سيكون على حساب العلاقة بين البلدين، وقد عبروا لنا بكل صراحة عن ذلك.

و حادثة " ساحة لكبيد " فهي أيضا حادثة حقيقية، ذلك أن المجلس البلدي قد قرر في مداولة أن يقوم بتحويل "ساحة لكبيد" إلى حديقة عمومية لحاجة الساكنة إلى ذلك، ثم داول المجلس في ذلك وأرسل مداولته للجهة الوصية، وعمل المجلس أيضا مناقصة وأرسل نتائجها للوصاية، وبدأنا العمل لمدة شهر أو اثنين، ثم بعد ذلك صدرت الأوامر العليا أن يتم توقيف ذلك المشروع، وأن يهدم ما بني منه، فهذه حادثة شهيرة قد وقعت، فقد فوجئنا حينها بوالي نواكشوط يأتي ومعه الجرار ليهدم، وعندما تعسر عليه الهدم نتيجة قوة الأساسات قال " ما شاء الله المؤسسة التي عملت هذا المشروع تبشر على مستقبل مقاولاتنا المحلية " وأنا كنت وقتها موجودا رفقة بعض أعضاء المجلس البلدي، وعبرنا عن احتجاجنا، وكتبنا لكن لا حياة لمن تنادي،  يقال إن السبب في هدم المشروع أن الرئيس السابق مر ليلا من هناك ورأى المشروع في بداياته ثم طرحه على مجلس الوزراء،  وأعطى تعليماته بتوقيفه، وحين تم هدمه لم يعطونا شروحا واضحة ومن أراد منهم أن يصارحنا بشيء واضح يقول هذه تعليمات عليا، ومن لا يريد أن يصارحنا بشيء  لا يزيد على أن " يمدغ ان كشره "

 

- موقع الفكر: ألم تذكروهم بأن الرئيس قام بانقلاب أصلا بسبب أن القرارات صدرت ليلا ؟

- العمدة الحسن محمد: لا ، لم نضع ذلك في الحسبان.

 

- موقع الفكر: ما هي الانجازات التي حققتم خلال توليكم منصب زعامة المعارضة وما هي التحديات التي واجهتكم أيضا ؟

العمدة الحسن محمد: على كل حال مؤسسة المعارضة الديمقراطية مؤسسة مهمة في النظام الديمقراطي وكانت من الإصلاحات التي حصلت خلال المرحلة الانتقالية، مثل السلطة العليا للسمعيات البصرية، ومثل اللجنة المستقلة للانتخابات، وكان يفترض في تلك المؤسسة أن تجد "ماءها" وأن تمثل الكفة الثانية، فالانتخابات عندنا - وخاصة الانتخابات الرئاسية - ما زالت النسب فيها متقاربة ولا يمكن إلغاء نيف وأربعين في المائة من أصوات المواطنين، وطرحها هملا، ويترك كل شيء بيد أصحاب الأغلبية البسيطة، رغم ما في أغلبتها مما يقال، ففكرة المؤسسة على العموم هي فكرة جيدة وحديثة على الأنظمة الافرنكفونية لكنها موجودة قديمة في الأنظمة الاخرى، وتلك الفكرة لما جاءت لم تجد حقها اللازم فالمثل الحساني يقول إن " أيد وحده ما اتصفك " فبحكم أن السلطة الحاكمة هي المتحكمة في الموارد والقرارات لا يمكن لمؤسسة أن تعمل بدون تعاونها وبدون دعمها، وللأسف فإن المؤسسة حتى الآن ما زالت السلطات المتعاقبة تتعامل معها كتعاملها مع المعارضة عموما، أحيانا في بعض الفترات تجد بعض المجاملات، وبعض التعاطي لكن لا توجد هناك سياسة رسمية في دعم المؤسسة، ويمكن أن يقال إن الفترة التي قضيت على المؤسسة كانت من أحلك فتراتها، فإذا كان الزعيم الأول الرئيس أحمد داداه- حفظه الله- قد حظي بصحبة الرئيس المرحوم سيدي محمد الشيخ عبد الله في بعض مأموريته، كما حظي بعزيز في مأموريته الأولى، وقد كان أفضل في البداية، وإذا كان الزعيم الحالي إبراهيم بن البكاي قد حظي أيضا بالرئيس الحالي محمد الغزواني وأسلوبه الأكثر لباقة، فأني حظيت بفترة الرئيس محمد بن عبد العزيز ويحيى بن حدمين، على ما يكنانه للمعارضة عموما ولتواصل خصوصا، فكانت هذه هي الفترة التي كنت فيها في المؤسسة وكنت حريصا على أن أجعل منها مؤسسة تعمل بشكل منتظم، وترفع صوتها تقويما ونقدا وقوة اقتراح.

 وقد كنا حريصين على أن تكون لمؤسسة المعارضة أساليبها في ممارسة المعارضة، وأن نسن سننا في النقد والمعارضة، مثل التقويم السنوي لأداء الحكومة، وهي وثيقة كنا نصدرها، ومثل المؤتمرات الصحفية التي نعلق فيها على مختلف القرارات، ثم البيانات والمقابلات الصحفية التي نوضح فيها مواقف المعارضة.

 وقد عملت على أن تتقارب المعارضة فيما بينها، لكنني قد واجهتني وقتها مشكلة أن الكثير من القوى المعارضة لم تكن مشاركة في الانتخابات التي أفرزت المؤسسة.

وكانت المؤسسة أيضا حريصة على العلاقة بالمجتمع المدني ومراكز الدراسات والصحافة والنظراء في الخارج.

 كان مجلس إشراف المؤسسة يعمل بانسجام ومؤسسية وأريحية وإدارتها تعمل وفق ذلك أيضا، كنت أقول لهم وقتها إننا نريد أن نبني مؤسسة ريثما تجد زعيما؛ لتكون مؤسسة وزعيما في آن واحد، وقد قطعنا بعض الخطوات أنا والفريق الذي صاحبني في تلك الفترة لكن واجهتنا بعض العقبات مثل التضييق المالي والتقتير، فكانت موارد المؤسسة لا تغطي أكثر من 8 أشهر من مرتبات الفريق فما بالكم ببقية المصاريف الأخرى. وعانينا أيضا من التضييق الإعلامي فأنا لم أدخل التلفزة الموريتانية طيلة تلك المأمورية، وكان هناك  تجاهل للكثير فرغم أن النظام في البداية اجتمع بمؤسسة المعارضة، إلا أن الخرجات التي أخرج بها بعد تلك اللقاءات كانت توحي بأنه لم يرتح لأن يكون هناك صوت آخر، رغم أنه صوت متباعد ومتقطع، لم يتسع صدره لذلك فقرر أن يقاطعنا وقاطعناه أيضا، فأنا كنت أقول لهم إنني كنت في البداية أحضر اللقاءات العامة التي يحضرها الرئيس باعتبارها نافلة؛ لأن الرئيس والوزير الأول كانوا يستقبلونني كما ينص على ذلك القانون، لكن لما قاموا بتوقيف اللقاءات قمت أنا أيضا بذلك، حتى لا أكون مجرد ديكور.

ومن السنن التي سنت في تلك الفترة سنة إصدار بيانات باسم المؤسسة إذا كان مجلسها متفقا على ذلك، وبيانات باسم الزعيم إذا كان المجلس غير متفق على ذلك؛ لأن التركيبة التي كنا نعمل بها تتفاوت في شحنة معارضتها، وعموما كانت فترة أظن أنها مهمة وخرجت منها بمجموعة من المقترحات، أظن أنها لو طبقت لكانت المؤسسة في وضع أفضل، ومن تلك المقترحات أن يلغى شرط الانتخاب بحيث يكون رئيس الحزب الأول في المعارضة هو زعيم المؤسسة ؛ فهذه الثنائية بين رئيس وزعيم المعارضة من حزب واحد لها سلبيات كثيرة.

كما اقترحت أن يكون هناك مرسوما وكنت أطالب وأعطيت مشاريع لمراسيم تطبيقية للقانون المنظم وظلت تلك المراسيم غير موجودة إلى يومنا هذا.

و اقترحت أيضا حلا لمشكلة التمويل، وأنه يجب إبعاد تمويل المؤسسة عن مزاجية السلطة الحاكمة، فيكون تمويلها مقدرا بنسبة من الميزانية العامة للدولة، وليكن مثلا 1 في الألف، هو تمويل مؤسسة المعارضة الديمقراطية، وبالتالي لا يمكن لحكومة أن تتراجع عنه، ولا أن تمنه، فإذا كان الأمر كذلك سيسمح ذلك للمؤسسة باكتتاب خبراء، وستتمكن من تمويل العمل المعارض، وسيكون بإمكانها أن تدعم الأنشطة المعارضة الجادة، وتستطيع تمويل أسفار طواقمها إلى الخارج، فأنا في تلك الفترة عندما تأتيني دعوة من الخارج أسافر على حسابي الخاص؛ لأن موارد المؤسسة لا تسمح، وقد كان وعد الحكومة أن تكون أسفار زعيم المعارضة على حساب الأمانة العامة للحكومة بحكم أنه فوق الوزراء، لكن عندما أخبرتهم ببعض الدعوات لم يجيبوني؛ فأصبحت بعد ذلك أقوم بالسفر على نفقتي الخاصة.

 أظن أن تلك الفترة كانت تجربة مهمة رغم صعوبة الظروف والتحديات فأنا كنت وقتها مغمورا شيئا ما، ولدي الكثير من الانشغالات بحكم التدبير البلدي وكانت  المعارضة في البداية لها مواقف حدية ضد المؤسسة لكن لم تنته المأمورية حتى تحلحلت تلك المواقف وأصبحت علاقة الأحزاب غير المنضوية في المؤسسة علاقة جيدة وأصبحوا يحضرون دعوات المؤسسة ونشاطاتها ويجتمعون تحت خيمتها .

 

- موقع الفكر: هل تذكرون أول لقاء لكم مع الرئيس وأنت زعيم المعارضة وماذا جرى بينكم في ذلك اللقاء ؟

- العمدة الحسن محمد: نعم أتذكره، استقبلني الرئيس في أول لقاء لي معه رفقة مجلس الإشراف في المؤسسة الرئيس بيجل هميد والأخت "سودة وان".. وكان لقاء طيبا، يمكن القول إنه استقبلنا ببعض الحفاوة ومن الطرائف أننا في طريقنا إليه سألت الإخوة أعضاء المجلس عن آرائهم فيما ينبغي أن نتحدث فيه مع الرئيس فسألوني عن رأيي فقلت إنني أقترح أن نتحدث عن الأزمة السياسية وعن هموم المواطن وعن وضعية المؤسسة فقال لي الرئيس بيجل لا تفعل ذلك فالرئيس تغضبه كلمة "الأزمة السياسية"، وحين وصلنا وبدأ الحديث تحدثت في المواضيع بما فيها "الأزمة السياسية" وقد رحب بنا الرئيس واعتذر عن التأخير الذي حصل (لأن المؤسسة تأخرت بسنة عن تنصيبها) وقال إن الحكومة لا تتحمل فيه مستوى من المسؤولية وأنه مستعد للتعاطي مع المؤسسة وكان على مستوى من الأريحية وحين بدأ اللقاء شكرته على المشاعر والحفاوة التي استقبلنا بها، وتحدثت في تلك المواضيع، وتناولت عبارة الأزمة السياسية وقلت له بأن المؤسسة فعلا لم تكن موجودة في موريتانيا، لكننا نستحق أن يكون عندنا ما ليس عند جيراننا في بعض الأمور، وقلت له إن المؤسسة كانت تدار من قبل حزب واحد واليوم أصبح بها 3 أحزاب، وعلينا أن نعمل خلال هذه المأمورية على أن تكون كل أحزاب المعارضة ضمن المؤسسة مستقبلا، وأن ينقسم الناس في نهاية الانتخابات إلى فسطاطين، فسطاط حاكم، وفسطاط معارض، لكن يكون الكل راض عن العملية وموجود في المؤسسة في المستقبل، وهذا يتطلب إصلاح الوضع السياسي والمنظومة الانتخابية والتشاور، ثم تحدثت له عن الأوضاع التي يعيشها المواطنون، وتحدثت أيضا عن حقوق الإنسان، وعن أهم الأمور المطروحة من مشاكل، وتعرضت أيضا لتقويم فترة عمله، فقلت له إنه فعلا أنجز بعض الأمور التي تذكر، لكن البعض بالغ في ذكرها والبعض الآخر قلل من شأنها، فقال لي هذه هي طبيعة الحياة فحين تحكمون أنتم سيقع نفس الشيئ، تواصل الاجتماع وأتيحت فرصة الحديث لزملائي وحين بدأ الرئيس يرد على استشكالاتنا قال " بما يخص الأزمة السياسية.." وحين قال تلك العبارة التفت إلى الزميل بيجل وقلت له ممازحا " ألم ترى أن الرئيس يعلم أن هناك أزمة سياسية " فقال الرئيس لا وإنما الذي تسمونه أنتم بالأزمة السياسية فقط.

 ونصحته بأن يتصل بزعماء المعارضة وقال لي إن بعضهم يغلق عنه هاتفه، وقال إن بعضهم يعطيه موعدا ويخلفه، وقال لي  أنا على العموم مستعد للعمل مع جميع المخالفين حتى اليهود  فقلت له " قل خيرا، اليهود اص من ساعة حامدين لملان الراحنا منهم ولاتل عندنا لهم شي " فضحك وكان على مستوى من الأريحية، ولا أذكر أنني طرحت عليه من الطلبات بشأن المؤسسة سوى طلب واحد وهو أنه ينبغي أن ينشأ لها مرسوم تطبيقي، وأشار لمدير ديوانه يطلب منه كتابة الملاحظات.

 وخرجت من عنده فإذا بالصحافة بانتظاري، وأنا لا أريد أن أفسد ما كان من الود في الجلسة، لكنني لا أريد أيضا أن أفقد المصداقية أمام بقية المعارضة والرأي العام؛ لذلك حاولت أن أخرج بتصريح ينسجم مع مضمون اللقاء الذي كان أريحيا، ولا يفسد أيضا الود مع الشركاء في المعارضة الذين يظنون بالحزب ومواقفه بعض الظنون، وكان اللقاء إلى حد ما هو اللقاء اليتيم من نوعه في هذا الشكل وبهذا الوقت، بعد ذلك التقيت به مرتين أو ثلاثة لقاءات عابرة على هامش حفل رفع العلم، وهو حفل يجتمع على هامشه أفراد قلائل مع رئيس الجمهورية قبل الحفل مثل الوزير الأول ورئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الجمعية الوطنية، وزعيم المعارضة وقائد أركان الجيوش، ففي ثلاث من هذه المناسبات كانت تجمعنا لقاءات عابرة.

 

- موقع الفكر: كم عدد رؤساء الوزراء الذين عاصرتهم في فترة توليكم زعامة المعارضة وهل قابلت أحدهم ؟

- العمدة الحسن محمد: خلال وجودي في زعامة المعارضة عاصرت أساسا يحيى ولد حدمين؛ لأنني جئت في نهاية فترة مولاي ولد محمد لغظف، وقد قابلته عندما كان وزيرا أمينا عاما للرئاسة وقابلته في الوزارة الأولى بعد حادثة " ساحة لكبيد "  ويمكن القول إنه شخص لبق بطبيعته، يحاول أن يري كل متحدث أنه أقرب إليه من غيره لكنه في النهاية " ينعت ال ما يحلب للناس ال تجبرو "

 

- موقع الفكر: هل تفاعل معكم ولد محمد لغظف في موضوع ساحة لكبيد؟

- العمدة الحسن محمد: كان الأمر فوق طاقته لكنه لم يعترف صراحة بذلك وهذا طبيعي؛ لأن كبار الموظفين يفرض عليهم المنصب واجب التحفظ في مثل هذه الأمور، فالواحد منهم لا يمكن أن يصارحك بأن هذه تعليمات صريحة من جهات عليا لكنك تفهمها من ثنايا كلامه

 

- موقع الفكر: كم عدد المرات التي قابلتم فيها الوزير يحيى ولد حدمين ؟

العمدة الحسن محمد: قابلته عدة مرات، مرة استدعاني مع بداية أحد الحوارات ليبلغني به، وقال لي إن المؤسسة تكفي من تمثيل المعارضة فقلت له إنها لا تكفي؛ لأن بعض أطراف المعارضة لم تشارك في الانتخابات الماضية، ولم تكن ممثلة في المؤسسة؛ وبالتالي من حقها أن تشارك في الحوار، قابلته أيضا في آخر مقابلة لي معه وتضمنت بعض الصراحة والطرافة، وكان ذلك اللقاء قبل الانتخابات الرئاسية وكنت أتكلم معه حول ضرورة شفافية الانتخابات، ودور اللجنة المستقلة في ذلك، وأن الانتخابات ينبغي الحرص على مشاركة الجميع فيها، فقال لي حين يشارك فيها الجميع " خالكين وحدين كانو كابظين شي ماه لهم لاهي اعود ذاك ماه معلوم فيهم " فقلت له بصريح العبارة " أتفو بحد بعد يكبظ شي ماه لو " وكان هناك مستوى الصراحة في ذلك اللقاء، وقلت له إن الانتخابات ينبغي أن تطبعها الشفافية، حتى إذا أخذنا السلطة أصبحوا وهم في المعارضة في وضع طيب؛ لأننا سنعاملهم بأسلوب يختلف عن أسلوب معاملتهم لنا نحن، وإذا بقينا في المعارضة نقتنع أننا وجدنا حقنا ونصيبنا الذي نستحقه، عموما لقاءاتي معه كثيرة وهناك مستوى من الاحترام المتبادل، وتلك طبيعتي مع الجميع،  "لكن ما يتعهدون به لا يتجاوز المكان الذي يقع فيه التعهد" فقد كانت للأسف جميع وعودهم للمؤسسة هباء، فالرئيس لم يعطني وعدا، لكن الوزير وعوده كانت غير نافذة.

 

- موقع الفكر: ما هو موقفك من المشاركة أو المقاطعة ؟

العمدة الحسن محمد: الأصل بالنسبة لي هو المشاركة والمقاطعة ينبغي أن تكون استثناء قليلا ومحدودا جدا؛ لأن الأحزاب تتشكل لتكون لها برامج ولتنفذ تلك البرامج من خلال ممارسة السلطة، والحزب عندما يقاطع فقد خرج اللعبة تقريبا، وعندما يقاطع أيضا وتتحسن الظروف ويعود للمشهد لن يعود بالمستوى الذي كان به قبل المقاطعة، فالطبيعة لا تقبل الفراغ وكذلك هو حال المواطن الموريتاني، فهو مع هذا الحزب ما دام مشاركا لكن عندما يخرج من المشهد والسباق يتوجه إلى حزب آخر، ثم إن الانسحاب هو الشيء الهين والسهل؛ لأنه لا يكلف شيئا وليست له ضريبة، لكنه هزيمة وفرار من الزحف والمعركة، فهو قرار اتخاذه يسير لكنه سلبي، قناعتي ان المشاركة تبقى دائما هي الخيار، وما يقع من المقاطعة ينبغي أن يكون استثناء طفيفا نتيجة لقوة قاهرة.

 

موقع الفكر: هل تضررتم من مقاطعة بعض أحزاب المعارضة لانتخابات 2013م. ف كنتم زعيما لمعارضة بعضها لا يعترف بكم؟

- العمدة الحسن محمد: بالنسبة لي لا أقوم بتقويم المقاطعة والمشاركة من خلال تجربتي الشخصية، وإنما أقومها بشكل عام، قناعتي أن الأحزاب السياسية والمعارضة تاريخيا تأثرت سلبا من مقاطعاتها، وأن الأحزاب التي قاطعت ظلت تلك المقاطعة تطاردها في مصداقيتها وفي شعبيتها وفي مكانتها.

 

- موقع الفكر: ما هو تقويمكم لتقرير اللجنة البرلمانية الأخير ؟

- العمدة الحسن محمد: بالنسبة لتقرير اللجنة البرلمانية أولا يمكن القول إن ما وقع كان سنة حسنة كانت معطلة، ثم هو أيضا كان محل اتفاق، ونحن في موريتانيا نحتاج إلى كل ما يجمعنا، وكل ما يمكن أن نعمل فيه بشكل مشترك، وعموما قد سلط تقريرها - رغم أنها لم تجد الوقت و أن المواضيع متشعبة و ظروف الجائحة - الأضواء على ملفات شائكة وأظهر بعض ما كنا ننادي به ونذكره في المعارضة من خروقات ومن نهب واستهتار بالمال العام، أذكر أنني مرة كنت في سفر بالطائرة رفقة إسلكو ولد إزيد بيه، وكان وقتها وزير خارجية، وأنا وقتها زعيم المعارضة فبدأ يمدح محمد بن عبد العزيز، فقلت له إن المشكلة أن ما تمدحون به الرئيس ليس هو ما نعيبه نحن عليه، فنحن من مآخذنا عليه عدم احترامه للدستور والمال العام، وعدم احترامه للشعب الموريتاني، في حين أنكم تمدحونه بالإنجاز والشجاعة والوطنية.

 فما كنا نذكره من نهب وفساد سلطت اللجنة عليه بعض الأضواء، وأتوقع أن شرطة الجرائم الاقتصادية عمقته أكثر، وننتظر ما ينتظره الموريتانيون من تحويل هذا الملف بشكل فعلي إلى القضاء وأن يتعامل معه القضاء دون تصفية حسابات ودون أن تكون للمنافسة السياسية والمغالبة والصراع  على السلطة دور كبير في هذا، وإنما يكون هناك إنصاف للشعب الموريتاني وللمتهمين كذلك، وعموما أنا أتصور أن هذه الخطوة مهما كانت خلفياتها ومصيرها هي سنة حسنة، وسيصبح كل موظف مستقبلا يضع في حسبانه أن أي خطوة اتخذها يمكن إعادة النظر فيها، وهذا سيتهيب بسببه البعض. ، ثم إن كل رئيس مستقبلا سينتبه إلى أن قراراته ستكون محل نظر وتفتيش وتحقيق، وهذا مهم للحفاظ على ثروات هذا البلد ومصالحه.

 

- موقع الفكر: ما تقويمكم لسنة ونصف من حكم الرئيس الحالي؟

- العمدة الحسن محمد:أرى أن محمد الغزواني من حسن حظه أنه جاء بعد محمدعبد العزيز ومن سوء حظه أنه جاء بعده أيضا، فقد كان حسن الحظ؛ لأن أي سلوك أوأخلاق أو تعفف عن المال العام أو مستوى من المؤسسية والتهدئة سيحتفي به الناس؛ لأنهم وجدوا أساليب مختلفة لما عهدوا قبله، لكن من سوء حظه أنه ورث تركة الرئيس السابق التي لم تكن فيها دولة ولا مؤسسات ولا نظام، ثم إن جائحة كورونا أيضا كانت هي الأخرى مشكلة تعرض لها الرئيس الغزواني في سنته الأولى، ثم إنه أيضا حكم برجال العشرية الماضية والبعض يعتبر أن هذا أمر مستساغ؛ لأن الرجل لم يأت بانقلاب ولم يأت ثائرا، ولا من المعارضة وإنما خرج من رحم نفس النظام، لكن ما ننقمه عليه أنه كان عليه أن ينتقي من هذا النظام، فهذا النظام ليس فاسدا كله، وموظفوه ليسوا فاسدين كلهم؛ وبالتالي كان عليه وكنا نريد منه ولا زلنا أن ينتقي من هذا النظام، ثم إن انفتاحه على المعارضة لا زال انفتاحا شكليا إلى حد كبير؛ ولذلك ينبغي أن يتوسع هذا الانفتاح إلى حوار حقيقي، وإلى مشاركة في الرأي في مستقبل البلد وفي مصيره، ثم إن عليه أن يتصرف تصرفا جادا اتجاه هذه الأوضاع التي أملتها الجائحة والفساد وتصرفات الموظفين غير النزهاء، وهذا الواقع الصعب الذي يعاني منه المواطن.

 على الرئيس وحكومته أن يتصرفوا تجاهه تصرفا جادا أفعاله أكثر من أقواله.

أنا لا أنفي أن هناك نية حسنة لدى الرئيس، ولا أنكر أن هناك أمورا إيجابية حصلت، لكن الوتيرة التي تسير بها هذه الأمور والضمانات التي تضمن أن يكون هذا العمل مثمرا وفعالا وسريع النتيجة، هو ما ينقص الفترة ونرجوا أن يتم التغلب عليه.

 

- موقع الفكر: هل من كلمة أخيرة ؟

- العمدة الحسن محمد: عموما أنا أرى أن بلدنا ما يزال بلدا صغيرا وعمره ما يزال قليلا، فلسنا مثل تلك البلاد التي راكمت تجربة مئات السنين، فنحن بلد لديه ديمقراطية متحكم فيها للأسف؛ ولذلك أرى أن أهل هذا البلد بحاجة للكثير من الصبر ومستوى من التعاون وأن يعلموا أنهم يواجهون الكثير من التحديات، وعلى أهل السلطة أن يعلموا أن أهل موريتانيا لم يمنحوهم أصواتهم إلا أملا في خدمتهم مع حسن الظن على القدرة على ذلك، وبالتالي ينبغي أن يتحملوا تلك المسؤولية، ويتقوا الله فيها ويعلموا أن الواقع الذي نحن فيه غير قابل للاستمرار، بل ينبغي أن يسير إلى الأفضل وبوتيرة سريعة، ثم إننا نحن أيضا في المعارضة ينبغي أن يكون في مخيلتنا أننا سنصل إلى السلطة في يوم من الأيام، فما نريد أن تتم معاملتنا به ونحن في السلطة علينا أن ننتبه له ونعامل به السلطات التي تحكمنا من أجل المصلحة العامة ومن أجل أيضا مصلحة البلد وتقدمه وازدهاره، ولا ينبغي أن تظل الشعارات والمواقف الحدية والشائعات جزء من الخطاب السياسي لا عند السلطة ولا عند المعارضة؛ ذلك أن بلدنا ضعيف ويحتاجنا جميعا، وهو في بداية تكونه كبلد أمامه فرص واعدة وله مقدرات كبيرة وله أبناء بعضهم - أو كثير منهم - له غيرة ووطنية وكفاءة لكن عليهم أن يتفقوا على أسس وضمانات وقواعد يحكمونه بها معارضة وموالاة وموطنين.