أوقفوا سجن الصحفيين-  عبد الفتاح ولد اعبيدن

فى السجن تفقد حريتك و بعضهم يدمن على التفكير و الوساوس،و تضيع على السجين سنوات أو شهور من عمره،دون متابعة إيجابية لشؤونه الطبيعية،و من الحظ أن يخرج السجين من ورطته دون أمراض بدنية أو نفسية بوجه خاص.

السجن طبعا ليس سوى مقبرة الأحياء نظرا لحالة مصادرة الحرية،فمبجرد أن يفقد الإنسان حريته يفقد الكثير الكثير،و هذا لا يدركه سوى السجين،و مهما ادعى أي مدع، فالسجن عقوبة قاسية،لا تليق بالبشر مطلقا إلا لأسباب اضطرارية.

و مهما تكن سلبية مقص الرقيب،المادة 11،أيام الرئيس الأسبق،معاوية ولد الطايع،فلم يدخل صحفي واحد السجن منذ تشريع الحرية الإعلامية مع ظهور دستور 20 يوليو 1991، ولم يحاكم فى عهد ولد الطايع سوى مدير موقع إنيمش،الزميل محمد ولد كورى،و انتهت محاكمته بتغريمه بأوقية رمزية،و قال لي الزميل،محمد ولد كورى،حفظه الله،أن الرئيس،معاوية لما علم بالمحاكمة لم يرتح لحصول ذلك،و لا شك حسب رأيي الخاص أن مقص الرقيب أيام ولد الطايع كان أخف طبعا من السجن،و ظلت الأمور تتحول تدريجيا نحو التصعيد،ضد الصحفيين،إلى أن كلف ولد انجاي بتشكيل الوزارة فى المأمورية الثانية لولد غزوانى فدخلت الأمور فى جو غريب،لا أجد له من تفسير سوى عدم الحرص على تكريس الحريات و بوجه خاص حرية الصحافة،و ما وقع معي لأسباب غير مقنعة يدل على تراجع الحريات و مكانة الحرية الإعلامية فى نفوس و عقول بعض من يتصدر الشأن العام،كما كان ولد عبد العزيز أوسع صدرا لما يكتب و ينشر على نطاق واسع،و كنت ممن عارض نظام ولد عبد العزيز بشراسة لكنني لم أتعرض للاستهداف و السجن و التغريم الخيالي إلا بشكوى من رجل الأعمال،محمد ولد بوعماتو،لكن الرئيس السابق،محمد ولد عبد العزيز بعد كثير من الأذى و المطاردات و الإنتربول أصدر عفوا رئاسيا خرجت بموجبه من السجن،يوم الأربعاء 8/5/2009.

شخصيا لست مقتنعا بأن الرئيس غزوانى لا يعى دستورية و أهمية الإعلام الحر،لكن سهولة جرجرتنا للسجون و سهولة التضييق على الصحفيين و المدونين و المواطنين العاديين يدعونا للتنبيه لضرورة رد الاعتبار لهذه الحقوق و المكاسب الدستورية و عدم المجازفة بها،فلا أظن أن وصف الديمقراطية على دولتنا يصدق إن استمرّ هذا الوضع من الاستهانة بحرية و حرمات الإعلام.

لقد سجنت يوم 28/8/2024 و أقلت نفس اليوم من وظيفتي فى مجلس الوزراء،و تكررت اللعبة يوم 19/9/2025.

يحصل هذا فى أقل من عام،لتصبح سنة 2024 و 2025 من العهدة الثانية تكريسا مكررا لاستمرارية معاناة تعريض الصحفيين للسجن و التغريم!.

الموريتانيون فى ظل هذا النظام للأسف لا يمكن أن يشيدوا بمنسوب الحريات،و بوجه خاص الحرية الإعلامية قبل أن تتحرك الجهات الرسمية لجبر الخواطر و وقف سجن الصحفيين.

و باختصار، الصحافة ليست جريمة.

و من البديهي أن يتأثر القطاع الإعلامي سلبا بهذا التضييق،فهذه رسائل تخويف ستنقص من عبقرية بعض الزملاء و مستوى إقبالهم و إنتاجهم،لكن رغم هذه الظرفية العابرة،بإذن الله،لن تذبل الحرية الإعلامية فى موريتانيا،و إنما محنة تتخطى.

و حكومتنا بحاجة لتصحيح صلتها بالصحافة فلا تنمية دون حريات،فهي مصدر الارتياح و تحرر الطاقات و تفتق الإبداع،بشتى صوره.

و قد حرصت على نشر هذا المقال قبل دخول 2026 ،عسى أن تكون السنة الجديدة،بإذن الله، خلاف ما حدث فى سنتي 2024 و 2025 من تضييق على الكلمة،و كما حرص الضحايا على محاولة تجاوز محطات و ذكريات غير مريحة ينبغى أن تعمل السلطة على مراجعة تناقص منسوب الحريات،و سنة سعيدة.