ارتفاع أسعار الغاز المُسَال وضرورات التكيّف الاجتماعي!- موقع الفكر

1- أقَرّتْ الحكومةُ الموريتانية بَحْر الأسبوع المُنْقَضِي مرسوما يتضمّن تغييرا في هيكل أسعار المواد النفطية السائلة؛ عن طريق اعتماد التحديد المسبق لسعر مواد الغاز عند المضخة، على أنْ الدولة تتحمل أو تربح من الفارق مقارنة مع سعر التكلفة من المنبع؛ ويبدو أنّ هذه الخطوة تستهدف - مما هو مُعلنٌ- استفادةَ المواطن من الانخفاض العام المتوقع لدى الدولة بحسب المؤشرات المعتمدة عندها في أسعار الطاقة لسنة 2026؛ خاصة أنّ التذبذب والظروف الصعبة لاستغلال الطاقة كانت تتحمل فيها الدولة عن المواطن مبالغ معتبرة من أجل المحافظة على السعر الحالي.

2- وبشكل مُوازٍ رافق هذا التغييرَ في تحديد التسعير، الاحتكامُ لآلية جديدة أيضا للتدخل في حالة ارتفاع الأسعار بشكل عام، بخلاف أسعار الغاز المنزلي التي تراها الحكومة مستقرة؛ حيث إنّها لا تُظْهِرُ تَغيُّرا يمكن أن يؤدي إلى بروز فارق في السعر يكون إيجابيا، حتى يُحتِّم على الدولة الاستمرار في دفع فارق السعر الذي ظل يزيد على عتبة المليار أكثر من عقد من الزمن منذ الآن، وخروجا على هذا التدبير التقليدي إزاء مخاوف ارتفاع الأسعار وتحسُّبا لكل تطور مفاجئٍ في أسعار المواد النفطية السائلة، فقد تم كذلك استحداث الآلية الوطنية للمقاصة "تساند" لتكون عونا منضبطا و دعما ماليا – عند بلوغ السعر لسقف معين- تستفيد منه الأسر  والمناطق الهشة من الآثار التضخمية الناجمة عن تقلبات أسعار الوقود؛ تماشيا " مع أفضل الممارسات الدولية في مجال التكيّف الاجتماعي مع الصدمات الخارجية"، في نظر الحكومة.

3- لعل هذه الإجراءات كلها مُلحة لارتباطها الوثيق بحياة المواطن اليومية؛ خاصة أنّها منصبّة على مادة استهلاكية وخادمة لغيرها من أوجه متطلبات الحياة، لكنّ هذه الحزمة من التدابير لم تصل حلّ المشكلة نهائيا، كما أنها لم تكن إطارا وقائيا لمعضل أسعار الغاز المسال، وإنما هي خطوة لتلطيف آثار ارتفاع هذه المادة المذهل والحساس والمفاجئ أحيانا، وللتخفيف أيضا من صدماتها وخطرها المجتمعي ضمن الجهود الرسمية في الدولة لمعالجة الغلاء.

ولا غرابة من جهة في هذا الارتفاع مادامت أغلب الاقتصادات العالمية المؤثرة تربط بين تسويق الغاز المسال وبين تصدير النفط؛ مما يزيد الطينّ بلة في الواقع الموريتاني؛ حيث ماتزال البيئة الهيكلية لاستقطاب المستثمرين والمصدرين غير مؤهلَة على خلق منافسة إيجابية لصالح تسعير الغاز واستقرار معاملاته.

أمّا النظرُ لعائدات بعض الآبار في الحقول المكتشفة فلم يعد له بَعدُ أثرٌ في الأمد القريب على مسار تسعير الغاز المسال، ولا على انسيابية وسهولة اقتناء الغاز المنزلي الذي عمدةُ حياة الأسرة.

وفي المضمار فإنّ إنشاء وكالة" تساند" قد يطرح هو الآخر إشكالات التنظيم ومعايير الاستفادة وجدواها في انتظارات المواطن؛ لينتقل مسار التخفيف إلى مسار آخر من البيروقراطية والانتقائية وبُعد الخدمة.

4- ومن جهة أخرى، فإنّ تغليب مصلحة المواطن على حساب الرَّيع العائد لخزينة الدولة رغم أهميته المزدوجة على الدولة بالتخفيف من حدة التمايز  الاقتصادي بين المواطنين ،و على المواطن بتمكينه المباشر من الأثر المالي لتخفيض وتثبيت السعر، إلا أنّ الحل العميق يتطلّبُ من الدولة التخفيف الهيكلي من حدة التضخم والارتفاع المضطرد في الأسعار بشكل عام، ثم تحرير السوق من منغصات الفساد والتواطؤ، فضلا عن إعمال المعطى القانوني الاستثنائي في هذا السياق بوجود وتوطُّن صعوبات دائمة في التموين بمواد محددة، تُفضي إلى الحد من المنافسة برفع أو خفض الأسعار، بصفة مؤقتة تأمينا لتوازن السوق وضبط عناصره المؤثرة في حياة الناس ومعايشهم واستقرار حياتهم وفوق ذلك كله انسجامهم  إزاء سلطان الدولة، وهذا هو صميم التكييف المجتمعي مع معضلات ارتفاع أسعار السوق.