دول الساحل: هل تشكّل عودة الزعامات التقليدية بديلاً عن الدولة أم سندا لها؟

في منطقة الساحل الإفريقي التي تشهد تحولات عميقة، وتسعى فيها عدة دول إلى ما تسميه «إعادة تأسيس الدولة»، من خلال استعادة هيبة السلطة، وترميم النسيج الاجتماعي، واحتواء حالة انعدام الأمن المزمنة، تعود مؤسسات تقليدية ظلت طويلاً على هامش المشهد السياسي لتفرض حضورها من جديد. وفي مقدمة هذه المؤسسات، تبرز الزعامة التقليدية التي كانت تُنظر إليها في السابق باعتبارها بقايا من الماضي، لكنها اليوم تُستعاد كفاعل محوري عند تقاطع السياسي بالاجتماعي والثقافي.

فعلى الرغم من تهميشها خلال فترات الاستعمار وما بعده، لم تغب الزعامة العرفية يوماً عن الممارسة اليومية للحكم المحلي. ففي العديد من المناطق الريفية، لا تزال تمثل مرجعية أساسية للسلطة، وأداة لتنظيم المجتمع وحل النزاعات، خاصة في ظل ضعف حضور الدولة أو غيابها التام.

مؤسسة ضاربة في التاريخ وفاعلة في الحاضر

يؤكد صاحب السمو لاميدو حمادو موموني، زعيم تجمع الفولاني في نغيل بيلي بمنطقة ديفا شرقي النيجر، وعضو المجلس الاستشاري لإعادة تأسيس الجمهورية، أن الزعامة التقليدية كانت، قبل مجيء الاستعمار، العمود الفقري لتنظيم المجتمعات الساحلية. ويقول إن هذه الزعامات كانت تقوم بدور إدارة متكاملة، تجمع بين القضاء، وحفظ الأمن، وتسيير شؤون الأرض، وضمان التضامن الاجتماعي، مستندة إلى التقاليد، والتوافق، والقرب من الناس، ما منحها شرعية راسخة واحتراماً واسعاً.

ومع مجيء الاستعمار ثم الدولة الوطنية الحديثة، أعيد تشكيل المشهد المؤسسي، وتقلصت صلاحيات الزعماء التقليديين، وحُصر دورهم في إطار رمزي في كثير من الأحيان. غير أن هذا التهميش، كما يوضح لاميدو موموني، لم يكن يوماً مرادفاً للزوال، إذ حتى الإدارة الاستعمارية اضطرت إلى التعامل مع هذه القيادات المحلية، إدراكاً منها لعمق معرفتها بالبنية الاجتماعية وقدرتها على ضبط التوازنات داخل المجتمعات.

وسطاء اجتماعيون وحماة للسلم الأهلي

في السياق الراهن، الذي يتسم بتصاعد العنف المسلح، وتفاقم النزاعات المجتمعية، وتزايد الشكوك تجاه الدولة، لا يزال الزعماء التقليديون يضطلعون بدور محوري كوسطاء اجتماعيين وضامنين للتماسك المجتمعي. فسلطتهم الأخلاقية، ومعرفتهم الدقيقة بالمجتمعات المحلية، وتجذرهم في المجال الجغرافي، تجعل منهم فاعلين أساسيين في الوقاية من النزاعات وتسويتها.

غير أن هذه المهمة لم تعد سهلة كما كانت في السابق. فحسب لاميدو حمادو موموني، تغيرت بنية المجتمع، خاصة مع تحولات فئة الشباب، وانتشار السلاح، وازدهار شبكات التهريب، وتعاطي المخدرات، والسعي وراء الربح السريع. وهي عوامل تُضعف آليات الضبط التقليدية، وتضع سلطة الزعامات أمام تحديات غير مسبوقة.

ومع ذلك، يرى أن أساليب التسوية التقليدية لا تزال تحتفظ بفعاليتها، متى ما مورست بالعدل والنزاهة. ويشير في هذا السياق إلى القسم القرآني المعتمد في العديد من المجتمعات المسلمة، وإلى منظومة «دانغول بولّاكو» في الثقافة الفولانية، التي تقوم على المسؤولية الجماعية والجزاء الاجتماعي. والغاية، كما يقول، ليست العقاب بقدر ما هي الإصلاح، والمصالحة، وصون السلم الاجتماعي.

إعادة تأسيس الدولة… والزعامات في قلب المعادلة

من هذا المنطلق، لا يمكن، بحسب المتحدث، اختزال إعادة تأسيس الدولة في إصلاحات دستورية أو إدارية فحسب، بل ينبغي أن تشمل بعداً أخلاقياً واجتماعياً وثقافياً، بدونه تبقى كل عملية بناء هشة ومعرضة للانهيار. وهنا تبرز الزعامة التقليدية كحلقة وصل ضرورية بين الدولة والمجتمع، خاصة في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية وانسحاب الإدارة من بعض المناطق.

وفي النيجر، بدأت هذه المقاربة تترجم إلى خطوات سياسية ملموسة، حيث أصبح عدد من الزعماء التقليديين أعضاء في المجلس الاستشاري لإعادة التأسيس، وهو هيئة مركزية في المسار الحالي. كما صدر في 26 ديسمبر 2025 مرسوم رئاسي أنشأ «المجلس الأعلى للزعامة التقليدية»، في اعتراف رسمي بدور هذه المؤسسة ضمن بنية الدولة.

تحديات قائمة رغم الاعتراف

غير أن هذا الاعتراف لا يخفي حجم التحديات. فالزعماء التقليديون لا يزالون عرضة لانعدام الأمن، والضغوط السياسية، ومخاطر الفساد، فضلاً عن محدودية الإمكانات. وقد دفع بعضهم حياتهم ثمناً لالتزامهم، فيما اضطر آخرون إلى الفرار أو العيش في المنفى. ويرى لاميدو حمادو موموني أن قدرة الزعامة التقليدية على الإسهام في السلام مرهونة بدعم فعلي من الدولة، وبحماية حقيقية لرموزها، وبسياسات عامة جادة، خصوصاً تجاه الشباب.

ويوجه رسالة واضحة إلى صناع القرار في إفريقيا، مفادها أن الاعتراف بالزعامة التقليدية يجب أن يكون كاملاً، ومستداماً، ومقترناً بإشراكها في استراتيجيات الاستقرار. لكنه يشدد في المقابل على أن هذا الاعتراف يفرض على الزعماء أنفسهم التزامات أخلاقية صارمة، في مقدمتها العدل، والحياد، والابتعاد عن الاستقطابات السياسية. ويختم قائلاً إن الزعامة التقليدية، متى ما حظيت بالدعم والتقدير، قادرة على الإسهام بفاعلية في تحقيق استقرار دائم لمجتمعات الساحل.

رابط المقال:
https://www.aa.com.tr/fr/afrique/sahel-la-chefferie-traditionnelle-un-pi...