
عرفت موريتانيا خلال العقدين الأخيرين تحولات جوهرية في قطاع دقيق السمك، إذ انتقلت من واحدة من أكبر الدول المنتجة عالمياً إلى نموذج يركز على تثمين الثروة السمكية للاستهلاك البشري. وقد جاء هذا التحول نتيجة تراكم تحديات بيئية واقتصادية واجتماعية، فرضت على الدولة إعادة النظر في سياساتها تجاه القطاع.
ازدهار غير مسبوق ثم تباطؤ حاد
بين 2007 و2021، شهد القطاع نموًا سريعًا بفضل تسهيل قوانين التراخيص، حتى أصبحت البلاد تحتضن ثاني أكبر عدد من مصانع دقيق السمك في العالم بعد بيرو. وقد تم توجيه أكثر من نصف المصطادات السطحية لإنتاج أعلاف الحيوانات، في نموذج اعتمد بشكل كبير على رؤوس أموال أجنبية وأساطيل خارجية، مع استفادة محدودة للصيادين المحليين.
غير أن هذا الازدهار لم يخلُ من مخاطر. فقد كشف تقرير حديث نشره الموقع الأمريكي المتخصص في البيئة “Mongabay” عن تحول جذري في مدينة نواذيبو، حيث كان نشاط الشاحنات والمراكب يعكس حيوية غير مسبوقة للقطاع. اليوم، أصبح المشهد مختلفاً تماماً، إذ خيم الصمت على كثير من المصانع التي أغلقت أبوابها أو توقفت عن العمل مؤقتاً، نتيجة سياسة وطنية تهدف إلى حماية المخزون السمكي من الاستنزاف، خاصة أصناف السردينلا الغنية بالبروتين والزيوت.
إجراءات صارمة لرؤية مستقبلية مستدامة
من هنا، شرعت موريتانيا منذ 2021 في سن مراسيم أكثر صرامة، تمنع استخدام أنواع معينة من الأسماك في دقيق السمك، وتفرض تجهيز السفن والمصانع بوسائل التجميد لضمان توجيه الأسماك الصالحة للاستهلاك البشري إلى الأسواق. هذه الإجراءات، بدعم من المجتمع المدني والشركاء الدوليين، أدت إلى تراجع عدد المصانع النشطة إلى ثماني وحدات فقط بحلول سبتمبر 2025، مع انخفاض الإنتاج بأكثر من النصف مقارنة بعام 2020.
ورغم ما سببته هذه التحولات من تحديات للمستثمرين والعمال، فإنها فتحت الباب أمام إعادة هيكلة القطاع على أسس أكثر استدامة، ترتكز على حماية البحر وضمان حقوق الأجيال القادمة. وتقوم الرؤية الجديدة على تحويل الأسماك أساساً لتغذية الإنسان، والاكتفاء بمخلفات التصبير لإنتاج الدقيق، بما يوازن بين المردودية الاقتصادية والحفاظ على المخزون السمكي.
اليوم، يبدو أن موريتانيا اختارت نهجًا يوازن بين البعد الاقتصادي والبيئي والاجتماعي، حيث أصبحت الاستدامة ليست مجرد شعار، بل قاعدة حقيقية لإعادة بناء قطاع بحري أكثر عدلاً وفاعلية، قبل فوات الأوان.
رابط المقال :
https://albahrnews.com/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D8%B1...














