دلالات إثارة ملف “المأموريات” في سياق الولاية الثانية للرئيس غزواني- محمد محمود بكار

يستهلّ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مأموريته الثانية بزخمٍ أوضح وحضورٍ تنفيذيٍّ أكثر حيوية من سابقه، مستندًا إلى وضع اقتصادي مريح نسبيًا : استقرار مالي، تراجع في أعباء المديونية، بروز موارد سيادية جديدة، وشرعية سياسية عريضة ، وحكومة تعتمد التخطيط والمتابعة وتدخل في صدام مباشر مع لوبيات الفساد وبقيادة وزير أول صارم وحاضر . هذا المناخ يمنح الدولة هامشًا أوسع لتوسيع البرامج الاجتماعية وتحسين شروط التفاوض في الشراكات الاستثمارية وقدرة تحمل مالية كبيرة وثقة خارجية .

لكن هذا المسار، إذا لم يُحصَّن سياسيًا، يظل هشًّا. فالاستقرار لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بوضوح الأفق الدستوري وثبات قواعد التداول. ومن هنا تبدو إثارة ملف “المأموريات” في هذا التوقيت خطوة مربكة، بل مشبوهة سياسيًا؛ لأنها تزرع الشك في لحظة يفترض أن تُكرَّس للبناء، وتحوّل النقاش من سؤال التنمية إلى سؤال البقاء في السلطة.

الحديث المبكر عن المأموريات لا يخدم الرئيس، ولا يخدم الدولة. إنه يخلق ضبابية سياسية مفتعلة، ويبعث رسائل سلبية للداخل والخارج مفادها أن قواعد اللعبة قابلة للاختبار كلما تحسنت المؤشرات. وهذا أخطر ما يمكن أن يُصدَّر في لحظة تحتاج إلى ترسيخ الثقة لا تقويضها.

– المأموريات: خط أحمر دستوري لا ورقة مناورة

الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس جزء من مشروع تنظيم الدولة وخلق إطار شامل للتوافق الوطني يحتاجه البلد. وقد انتهج سياسة الباب المفتوح، وكسر حواجز مع أطراف كانت خارج دائرة التواصل التقليدي، بهدف نزع فتيل التوتر وإدماج الجميع في مسار سياسي منظم.

غير أن الزجّ بملف “المأموريات” داخل هذا الحوار يمثل خلطًا متعمّدًا للأوراق. فالمسألة، أولًا، محكومة بنصوص دستورية واضحة لا تحتمل التأويل الرغبوي. وثانيًا، لا يملك أي رئيس—مهما كانت شعبيته—أن يتعامل مع هذا الملف خارج إطار الصرامة الدستورية . فتح هذا الباب يعني ببساطة إدخال النظام في دوامة تأويلات لا تنتهي، وإعادة إنتاج أزمات عرفتها المنطقة ودفعت أثمانها غاليًا وإعادة تخصيب محاولة فاشلة لنفس القضية أربكت البلد .

الأخطر أن بعض من يثيرون الملف لا يفعلون ذلك حرصًا على استقرار البلد، بل بدافع التودد أو استباق التموضع في مرحلة ما بعد الولاية. وهؤلاء يسيئون للرئيس أكثر مما يخدمونه، لأنهم يضعونه في مواجهة نصوص واضحة ويُظهرون المشهد وكأن هناك نية مضمرة لاختبار السقف الدستوري.

– بين جدية الدولة وارتباك النخبة

في المقابل، يعاني المشهد السياسي من انفتاح غير منظم:
* أطراف تتعامل مع الحوار كمنصة لفرض سرديات انتقائية يريدون تحويل تاريخ البلد إلى ورقة بيضاء يكتبون عليها مآسيهم المسيّسة بقوة والمشحونة بمشاعر الكره .
* آخرون يحولونه إلى سوق رسائل سياسية مشفّرة.
* وأكثرية تترقب “إشارة” من الرئاسة بدل أن تتحمل مسؤوليتها الوطنية.

هذا الارتباك يعكس أزمة نخبة تفتقر إلى خطوط توافق مرجعية وثقة متبادلة. واستمرار التلويح بملف المأموريات في هذا المناخ لا يعني سوى تعميق الشك، وإرباك الاستحقاقات، وإضعاف صورة البلد كشريك مستقر.
والواقع أن الرئيس قد اختار أن يخوض مأموريته الثانية بمنطق الدولة، فإن أقل ما يُنتظر من داعميه وخصومه على حد سواء هو احترام السقف الدستوري وعدم تحويل “المأموريات” إلى بالون اختبار سياسي.

المساس بهذا السقف—ولو تلميحًا—ليس نقاشًا فكريًا بريئًا، بل مقامرة باستقرار بلد يحتاج إلى تثبيت قواعده لا إلى اختبارها.

إن المرحلة الراهنة تقتضي حسمًا أخلاقيًا قبل أن تكون نقاشًا سياسيًا: صيانة المسار الدستوري خط أحمر، وأي عبث به—تلميحًا أو تصريحًا—هو تشويش على الدولة لا خدمة لها والرئيس غزواني ليس بحاجته .