
يشكّل ما يُعرف في الأدبيات الوطنية بـ(القضية العقارية) في موريتانيا أحد أعقد الملفات التي تداخل فيها التاريخ الاستعماري بالبناء القانوني للدولة الوطنية، كما تداخل فيه العرف بالشريعة الإسلامية وبالقانون الوضعي، أعادت التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية، محمد ولد الغزواني، خلال لقائه بسكان مقاطعة لكصيبه بولاية كوركول، طرح هذا الملف في سياق جديد يربطه بالاستراتيجية الزراعية والسيادة الغذائية، ويؤكد في الوقت ذاته ثوابت قانونية تتصل بملكية الدولة للأرض وتنظيم طرق تملكها.
تهدف هذه القراءة إلى تحليل تلك التصريحات في ضوء التطور التاريخي للنظام العقاري في البلاد، منذ المرحلة الاستعمارية ضمن إطار إفريقيا الغربية الفرنسية، وصولا إلى التشريعات الوطنية بعد الاستقلال، ولا سيما الأمر القانوني رقم 83-127 و مراسيمه التطبيقية وتعديلاتها اللاحقة، مع إبراز موقع الملكية الجماعية التقليدية ضمن هذا النسق.
أولاً: الإطار التاريخي الاستعماري وتكريس الازدواجية العقارية
عرفت الأراضي التي شكّلت لاحقاً الدولة الموريتانية نظاماً عرفياً لحيازة الأرض، يقوم على الإحياء والاستغلال الجماعي، دون وجود سندات مكتوبة بالمعنى الحديث، ومع إدماج إقليم موريتانيا في المنظومة الإدارية لـإفريقيا الغربية الفرنسية، باشرت الإدارة الاستعمارية بناء نظام عقاري مزدوج.
شكل مرسوم 24 يوليو 1906 محطة تأسيسية، إذ أدخل نظام التحفيظ العقاري المستوحى من نظام تورنس، ومنح سندا نهائيا غير قابل للطعن لمن يسجل أرضه. وكرس عمليا قرينة مفادها أن الأرض غير المحفظة تعد شاغرة وتؤول إلى الدومين العام أو الخاص للدولة الاستعمارية. وبموازاة ذلك، صدر منشور 10 سبتمبر 1906 الذي أقر بوجود حقوق أهلية، لكنه أبقاها في مرتبة أدنى من الملكية المسجلة، دون حماية إشهارية حقيقية.
تواصل هذا المنحى مع مرسوم 8 أكتوبر 1925 الذي حاول (معاينة) الحقوق العرفية، غير أن إجراءاته المعقدة وعدم منحه سندات قابلة للاحتجاج بها أبقيا تلك الحقوق في وضع هش، ثم جاء مرسوم 26 يوليو 1932 ليعيد تنظيم نظام التحفيظ دون المساس بجوهر قرينة الدومين العام، قبل أن يعزز مرسوم 15 نوفمبر 1935 مبدأ أن كل أرض غير مسجلة ملك للدولة.
أما مرسوم 20 مايو 1955 (رقم 55-580) فقد مثّل محاولة متأخرة لإدماج الحقوق الجماعية ضمن نظام إشهار أشمل، تلاه مرسوم 10 يوليو 1956 (رقم 56-704) لتحديد شروط تطبيقه. ومع ذلك، ظل الاعتراف بالملكية الجماعية محكوما بإرادة الإدارة، ولم يتحول إلى حق مكتسب محصن.
يتبين من هذا المسار أن الإدارة الاستعمارية لم تلغ الأعراف صراحة، لكنها أفرغتها تدريجيا من مضمونها القانوني عبر اشتراط التسجيل والتحفيظ، ما أسس لثنائية بين ملكية مسجلة محمية وحقوق عرفية قابلة للتجاوز.
ثانيا: مرحلة الدولة الوطنية وإعادة تعريف الملكية
بعد الاستقلال سنة 1960، سعت الدولة الوطنية إلى إعادة تنظيم المجال العقاري عبر القانون رقم 60-139 ومرسومه التطبيقي، ثم من خلال الأمر القانوني رقم 83-127 بتاريخ 5 يونيو 1983 المتعلق بتنظيم عقارات وأراضي الدولة، كرس هذا الأمر مبادئ جوهرية يمكن إجمالها في ما يلي:
● مبدأ ملكية الأمة للأرض (المادة 1)، مع فتح باب التملك الفردي وفق القانون.
● الاعتراف بالملكية الخاصة وصونها في إطار احترام الشريعة الإسلامية (المادة 2).
● إلغاء نظام الحيازة التقليدي (المادة 3)، وهو نص مفصلي أنهى من حيث المبدأ الاعتراف القانوني المستقل بالملكية الجماعية غير المفردة.
● تكريس قرينة ملكية الدولة للأراضي الميتة أو الشاغرة أو غير المسجلة (المواد 9 و11).
● تنظيم تفريد الحقوق الجماعية الزراعية المكتسبة قبل 1960، عبر تقسيمها بين المستفيدين الفعليين (المواد 36–48 من المرسوم التطبيقي).
يتضح أن المشرّع الوطني، وإن استلهم بعض آليات الحقبة الاستعمارية (كالتحفيظ وقرينة الدومين العام)، فقد أضفى عليها بعدا شرعيا وإداريا جديدا، يقوم على الإحياء والاستثمار كشرط لاكتساب الملكية أو تثبيتها.
ثالثا: التطوير التنظيمي المعاصر
جاء المرسوم رقم 2010-08 بتاريخ 11 مارس 2010، المعدل سنة 2014، ليعيد ضبط آليات الإحياء، والإدماج في دومين الدولة، ومعالجة الأراضي الشاغرة، وتنظيم تفريد الحقوق الجماعية. وأكد هذا النص أن التسجيل لدى مصلحة الحفظ العقاري ينتج سندا قطعيا محصّنا ضد الادعاء بالاندراس، إلا في حالة التدليس.
كما استحدث آليات إدارية مثل لجان الوقاية وتحكيم النزاعات العقارية الجماعية، وسجلات عقارية على مستوى المقاطعات لتقييد قرارات تقسيم الأراضي الجماعية، بما يضفي طابعاً إشهاريا على عمليات التفريد.
رابعا: موقع الملكية الجماعية التقليدية في النظام القائم
يتبين من مجموع النصوص أن المشرع الموريتاني لم يبق على الملكية الجماعية بصيغتها العرفية المطلقة، بل اتجه إلى أحد مسارين:
● تفريد الحقوق الجماعية وتوزيعها على المستفيدين وفق معايير الإحياء والمساهمة في الاستغلال.
● الإبقاء على الشيوع في إطار شخصية معنوية قانونية، تصدر لها شهادة ملكية جماعية مقيدة في السجل العقاري.
وبذلك انتقل النظام من (جماعية عرفية تقليدية) إلى (جماعية مؤطرة قانونا)، أو إلى ملكية فردية مفردة.
خامسا: قراءة في تصريحات رئيس الجمهورية
في ضوء هذا السياق، يمكن فهم تصريحات رئيس الجمهورية بوصفها تأكيدا لثلاثة مرتكزات قانونية:
1°- تثبيت مبدأ أن الأرض في الأصل ملك للدولة، وهو مبدأ مستقر منذ 1983، ومتجذر جزئياً في المنظومة الاستعمارية.
2°- الالتزام بعدم نزع أرض من مستغل فعلي لإعطائها لمستغل آخر، ما يعكس احتراما لمبدأ الاستقرار والحماية القانونية للحقوق المكتسبة.
3°- التعهد بتسهيل حصول المزارعين على وثائق الملكية وفق القانون، وهو ما ينسجم مع فلسفة التحفيظ كوسيلة لحماية الحق لا لنزعه.
كما تربط هذه التصريحات بين الإصلاح العقاري والاستراتيجية الزراعية والسيادة الغذائية، ما ينقل النقاش من بعده النزاعي إلى بعد تنموي ووطني.
سادساً: الخلاصة
إن تطور النظام العقاري في موريتانيا يكشف عن مسار طويل من الانتقال من أعراف جماعية غير مقننة، إلى نظام مزدوج في ظل الاستعمار، ثم إلى نظام وطني يسعى إلى توحيد المرجعية بين الشريعة والقانون الوضعي ومتطلبات التنمية.
وتدل التصريحات الرئاسية الأخيرة على إرادة سياسية لتفعيل النصوص القائمة في اتجاه تسوية النزاعات عبر التوثيق والتحفيظ، لا عبر إعادة توزيع قسري، مع الحفاظ على مبدأ أن ملكية الأرض، في أصلها، خاضعة لسيادة الدولة ومقيدة بضوابط الشرع والقانون.
وبذلك فإن معالجة «المشكل العقاري» لا تكمن في إنكار تاريخه، بل في استيعاب جذوره الاستعمارية، وتطوير أدوات قانونية وإدارية تكفل التوازن بين حماية الحقوق المكتسبة، وضمان المنفعة العامة، وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.
محمد سالم ولد














