الوزير والدبلوماسي محمد فال بلال لموقع الفكر: تجربة رمضان في السجن كانت تجربة روحية عميقة( مقابلة)

قال الدبلوماسي والوزير السابق محمد فال بلال إن هناك تبايننا كبيرا في استقبال رمضان واستشعار معانيه والاحتفاء به اليوم عن ما أدركه في طفولته لدى الناس في منطقة آفطوط، فرغم ظروف البداوة وشدة القيظ وشح وسائل العيش كان مقدم رمضان بهجة وسرور، وصيامه مجاهدة ومصابرة واحتساب للأجر لا كما نجد اليوم من مظاهر التبرم واستثقال هذا الضيف الكريم وشكوى من أعبائه المادية.

وأوضح الوزير أنه صام رمضان كاملا في كل من الدوحة ودكار عندما كان سفيرا فكان الصيام تجربة ثرية مكنته من التعرّف على قيّم وعادات أخرى وعزز من شعوره بالانتماء للأمة على اختلاف مذاهبها.

وتطرق الوزير في مقابلة حصرية مع موقع الفكر إلى ذكرياته عن أول تجربة له مع صيام رمضان عندما كان طالبا بالثانوية ثم بعد ذلك بسنوات عندما هلّ عليه شهر رمضان وهو سجين بنواكشوط سنة 1981 وكذا عن أكثر قارئ تأثر بتلاوته في التراويح ..وغير ذلك من ذكريات ووقفات مع الشهر الفضيل فإلى المقابلة:

موقع الفكر:  رمضان شهر النفحات الايمانية وشهر القرآن والقربات، فما الذي يتبادر إلى ذهنكم عند ما يطرق سمعكم اسم هذا الشهر الفضيل؟

الوزير محمد فال بلال: عندما يُذكر اسم رمضان يتبادر إلى الذهن قبل كل شيء قوله تعالى: "شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن"، فيرتبط الشهر مباشرة بالقرآن تلاوةً وتدبّرًا وقيامًا.

يتداعى إلى الخاطر أيضًا معنى الصفاء الروحي؛ شهر تُفتح فيه أبواب الرحمة وتتهيأ القلوب للتوبة، وتعلو فيه همّة الطاعة من صلاة وذكر وصدقة وصلة رحم. كما يحضر في الذهن مشهد المساجد عامرة بالمصلين في صلاة التراويح، وموائد الإفطار التي تجمع الأهل والأحبة في أجواء من الألفة والتراحم.

موقع الفكر: ما الذي تستحضرون من ذكرياتكم في هذا الشهر، خاصة أول شهر تصومونه، وكيف كانت الظروف آنذاك؟

الوزير محمد فال بلال: مما يعلق بذاكرتي حالة الفرح والابتهاج التي يتلقى بها القرويون هلال شهر رمضان حيث يتجمعون من مختلف أرجاء القرية لاستطلاع الرؤية، الكل يركز في اتجاه واحد لرؤية الهلال يصبرون أنفسهم لتكريس المزيد من الوقت لعلمية الاستطلاع عل وعسى أن يكونوا أول من يراه ويبشرون غيرهم بهذا الخبر المفرح، وهو ما لم يعد موجودا اليوم في ظل وجود لجنة للأهلة،ووسائل إعلام واستطلاع، أما في ذلك الزمن فلا طريق لاثبات الشهر إلا بالرؤية المباشرة من أهل القرية وهو حدث كبير يتسابق الكل للمشاركة فيه، وما زال يترك لدي شعورا ملهما..

مما أتذكر ايضا أن القرية أو "لفريك" بمثابة عائلة واحدة تقريبا،فلا تكاد تجد أسرة تتميز عن غيرها في طعام الإفطار مثلا، فشراب الإفطار لوكان مذقا مثلا سيعم على الجميع، وحتى لو كان شربة منقوع الصمغ/ وأمنقوع "عشبة أباكاك أو ثمرة "الكارور" وكذا الشاي الموجود منه سيوزع على الجميع،وأتذكر وجود جلستين للشاي فقط يتوزع القرويون عليهما.
مما يحضر بذاكرتي أيضا عمليات رش الصائمين بالماء وقت القيلولة من شدة الحرارة، والإعياء من العمل الذي لا يتوقف وتتطلبه حياة الظعن والترحال والبحث عن المياه ونشدان الأنعام، وطلب الكلأ وهو مشهد ما زال ماثلا حتى الآن بعيني رش الصائمين بالمياه ليتمكنوا من مواصلة صومهم، أما اليوم فالحال مختلف حيث مساكن الاسمنت والمكيفات وهو ما كان حلما أنذاك..وبالتالي ندرك قوة الصبر لدى الناس وقدرتهم على قهر الظروف وتذليل كل الصعاب التي تعترض صيام الشهر وقيامه.
ومن الأمور الفارقة أن القرويين كانوا يستقبلون هلال الشهر بارتياح وفرح لا كما هو الحال اليوم وكأن الشهر عبء جاثم على صدور الناس ينشدون المساعدة في استقباله وتدبير أموره المعيشية، وترى الوحد منهم مهموما ومكروبا لقدوم الشهر وهو مالم يكن في قاموس القرويين انذاك ، والواقع اليوم عكس المطلوب والحكمة من هذا الشهر وهو أمر عميق يستدعي الفرح والاحتفاء بالشهر باعتباره شهر التقوى والترشيد وليس عبئا على أحد.
ومما يحضرني أن رمضاني الأول، كنت أحضر لشهادة البكالوريا في الثانوية بنواكشوط. ويبقى علامة فارقة في ذاكرتي؛ تختلط فيه مشاعر الفخر والحماس بالانتقال من مرحلة الطفولة إلى تحمل مسؤولية البطولة و محاولة إثبات القدرة على إتمام الصيام. أستحضر  صور الاستيقاظ المبكر للسحور، ومحاولة مقاومة العطش في ساعات النهار الأولى، والترقب بلهفة لصوت الجرس وقت أذان المغرب.

موقع الفكر: تقلدتم عدة مناصب سامية، كيف كان برنامجكم في شهر الصيام، وكيف يختلف عن الروتين الإداري اليومي؟

الوزير محمدفال بلال: في شهر رمضان يتغيّر إيقاع الحياة بالنسبة لي حتى في المناصب العليا؛ إذ كنت أحرص على أن أعيد ترتيب أولوياتي بما ينسجم مع روح الشهر ومقاصده. فيكون برنامجي اليومي أكثر انضباطًا ومرونة في آنٍ واحد. أخصص الساعات الأولى من الصباح لإنجاز المهام الجوهرية والنظر في الملفات التي تحتاج إلى صفاء ذهن. وأقوم بتقليص أو إلغاء الاجتماعات غير الضرورية، وتأجيل ما يمكن تأجيله. الاختلاف في رمضان عن الروتين الإداري اليومي يكمن في أن الصيام يفرض إدارة أكثر وعيًا بالطاقة والوقت؛ إذ تُراعى خصوصية الصائمين، وتُخفف وتيرة العمل دون الإخلال بالمسؤوليات.

موقع الفكر: هل صمتم رمضان في الغربة وكيف كانت ذكرياتكم بهذا الخصوص؟

الوزير محمد فال بلال: رمضان في الغربة تجربة مختلفة تحمل مزيجًا من الشوق والحنين، وفي الوقت ذاته عمقًا روحيًا خاصًا. صمتُ شهر رمضان كاملًا بصفتي سفيرًا في دكار والدوحة. وكانت تجربة ثرية للغاية أتاحت لي فرصة التعرّف على قيّم وعادات أخرى وممارسات وسلوكيات مختلفة. فاتّسعت آفاقي وتعزز شعوري بالانتماء للأمة على اختلاف مذاهبها وطرائقها ومواردها وعاداتها؛ فاجتماع المسلمين من ثقافات متعددة في مسجد واحد لصلاة التراويح يخلق إحساسًا جميلًا بالأخوّة.

ومن جهة أخرى، يمنح رمضان في الغربة فرصة أعمق للخلوة مع النفس؛ حيث يقل الاختلاط مع الناس والانشغال بالمجاملات الاجتماعية، فيزداد التركيز على العبادة، وقراءة القرآن،

موقع الفكر: رمضان شهر القرآن، هل تحرصون على أداء التراويح في المسجد، أم في البيت؟ وهل هناك قارئ تحرصون على الصلاة وراءه وكيف كانت ذكرياتكم مع أول تراويح؟

محمد فال بلال: في رمضان تبقى صلاة التراويح - رغم أنها عبادة حسنة وغير واجبة - تبقى من أبرز محطات اليوم الإيمانية؛ والأصل أن أداءها في المسجد له أثرٌ خاص لما فيه من اجتماع القلوب وسماع القرآن في أجواءٍ تعمّها السكينة. لذلك أحرص على أدائها في المسجد كلما تيسّر، لما في ذلك من تحفيزٍ على الخشوع والالتزام، وتعظيمٍ لشعيرة القيام جماعة.

أما عن القارئ، فكثيرًا ما أميل إلى الصلاة خلف من أتأثر بصوته وحسن ترتيله، مثل والدي رحمه الله، لما في تلاوته من خشوعٍ وأداءٍ مؤثر يلامس قلبي. غير أن العبرة ليست باسم القارئ بقدر ما هي بحضور القلب.

موقع الفكر: هل سبق وأن أدرككم رمضان في البقاع المقدسة، وكيف كانت أجواء الصيام في الأماكن المقدسة بالنسبة لكم؟

محمد فال بلال: أعتبر أن  إدراك رمضان في البقاع المقدسة نِعمة من أعظم النِّعم عليّ وعلى كل مؤمن؛ فالأجواء هناك تختلف روحًا وشعورًا. الصيام في مكة المكرمة، والصلاة في المسجد الحرام، يمنحان القلب حالة من الصفاء والسكينة يصعب وصفها؛ حيث تتضاعف المشاعر مع رؤية الكعبة المشرفة، والاجتماع بمسلمين من شتى بقاع الأرض على مائدة واحدة وهدف واحد.

كما أن للصيام في المدينة المنورة طعمًا خاصًا، خاصة عند الصلاة في المسجد النبوي؛ إذ يمتزج الخشوع بالطمأنينة، ويشعر المرء بقربٍ روحي عميق وهو في رحاب المكان الذي شهد سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

من أبرز المشاهد التي تبقى في ذاكرتي: موائد الإفطار الممتدة في ساحات الحرمين، حيث يجلس الغني والفقير والأبيض والأصفر والأسود جنبًا إلى جنب.

موقع الفكر: رمضان شهر الانفاق ماذا بقي من هذا الترابط في أيام الناس اليوم؟

محمد فال بلال: ما زال رمضان يحتفظ بروح العطاء في وجدان الناس، وإن اختلفت الصور والوسائل. فما زالت موائد الإفطار الجماعية، وتفطير الصائمين، وكفالة الأسر المتعففة، حاضرة في مجتمعنا وفي مجتمع الدول التي مررت بها، بل توسعت عبر المبادرات المؤسسية والمنصات الخيرية التي سهّلت الوصول إلى المحتاجين داخل الأحياء.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن وتيرة الحياة السريعة، وانشغال الناس، والنزعة الاستهلاكية أحيانًا، أثرت على بعض صور الترابط التقليدية؛ فقلّت الزيارات، وضعفت صلة الرحم في بيئة العاصمة والمدن الكبرى، وحلّت الرسائل السريعة محل اللقاءات المباشرة.

يبقى التحدي اليوم في أن نحافظ على جوهر الإنفاق لا على مظهره فقط؛ أن يكون العطاء نابعًا من إحساس صادق بالمسؤولية، وأن يمتد أثره لما بعد رمضان.

موقع الفكر: مواقف طريفة، ذكريات خاصة لكم في هذا الشهر وهل من كلمة أخيرة

محمد فال بلال: لا يخلو رمضان من مواقف طريفة تبقى عالقة في الذاكرة رغم روحانيته وجلاله.

 وأستحضر على وجه الخصوص رمضان 1981 الذي قضيته في السجن، حيث كانت تجربة روحية عميقة، اتخذ فيها الصيام بُعدًا أشدّ تأثيرًا، جامعًا بين الصبر والتأمل وقوة التحمّل.

كما حدث أن أدركني وقت الإفطار تارة ووقت الإمساك تارة أخرى، وأنا على متن طائرة، بين السماء والأرض. وكانت لتلك اللحظات نكهة مختلفة، إذ إن الإفطار بعيدًا عن أي إطار مألوف، وأحيانًا في هدوء المقصورة، كان يحوّل اللحظة إلى تجربة شخصية تأملية خالصة.

إذا كان شهر رمضان ظل كما هو في قدسيته الروحية، ورسالته، وأحكامه وقوانينه، فإنّ الأزمنة والممارسات قد تغيّرت بشكل كبير. في الماضي كان الشهر يتميّز بالزهد وترشيد الموارد والتكافل والتضامن. كانت الموائد بسيطة. يقتصر الإفطار على التمر والشراب والشاي. ويكفي من الشراب ما يغير "وجه الماء" تارة باللبن "ازريگ"، وإن لم يوجد فالصمغ "العلك" أو "أبكاك" أو حتى الطحين "ادگيگ".. ثم نأخذ شُربة من "أنْشَ" وكؤوس الشاي الثلاثة. أما العشاء فغالبا ما يقتصر على وجبة "عيش" أو "كسكس"  وفق تقاليد طهي محلية متوارثة عبر الأجيال. وكان رمضان أيضًا مناسبة لاجتماع الأسرة وتعزيز روح الألفة وتقوية الروابط الاجتماعية. كانت البساطة هي السائدة، وكان الناس يكتفون بالقليل بروح من الامتنان والأخوّة.

أمّا اليوم، ففي كثير من البيوت حلّت المبالغة والتبذير وأحيانًا التفاخر محلّ تلك البساطة. تمتلئ الموائد بمختلف الأطباق ما نعلم منها وما لم نعلم، بل وأصبح الطعام السريع  "الفاست افّود" حاضرًا حتى في هذا الشهر الفضيل. وهكذا يبدو أحيانًا أنّ روح رمضان قد ابتعدت عن قيمه الأصيلة القائمة على الاعتدال والتكافل والتقوى.

موقع الفكر: شكرا جزيلا وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام..