تآزر: متى يبدأ الانتقال من الحماية إلى التمكين؟-  د. مولاي ولد أب ولد أكيك

حين أعلن فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، أن برامج المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر» أنفقت خلال ست سنوات نحو 249 مليار أوقية قديمة، لم يكن الأمر رقمًا عابرًا في خطاب رسمي، بل معطى ماليًا ذا دلالة اقتصادية كبيرة. فنحن أمام إنفاق يعادل في المتوسط نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل حدود 3.5% من إجمالي نفقات الميزانية العامة سنويًا. وبهذا الحجم من الموارد، تصبح أهمية هذه البرامج مسألة محسومة من حيث الوزن المالي؛ غير أن الإشكال الجوهري يظل: ما الأثر الاقتصادي الملموس الذي أفرزه هذا الإنفاق؟ وإلى أي مدى أسهم في إحداث انتقالٍ هيكلي لدى الفئات المستفيدة، من وضعية الاعتماد على التحويلات إلى الاندماج المنتج في الدورة الاقتصادية؟ وهل قاد إلى بناء رأس مال بشري ومادي يمكّن الأسر الهشة من تحقيق استقلال اقتصادي مستدام، أم اقتصر أثره على تخفيفٍ آني للفقر دون تغييرٍ في موقعها ضمن هيكل الإنتاج؟

على المستوى الاجتماعي المباشر، لا يستطيع المكابر إنكار الأثر الملموس لهذه التدخلات. فانتظام التحويلات النقدية لصالح أكثر من 143 ألف أسرة، وتوفير بطاقات تموين غذائي لما يزيد على 170 ألفًا، وتوسيع التغطية الصحية لتشمل 113 ألف أسرة، كلها مؤشرات على قيام شبكة حماية اجتماعية واسعة النطاق ذات امتداد وطني، لا عملية محدودة الأثر. ومن منظور العدالة الاجتماعية، يعكس هذا التوسع إعادة توجيه معتبرة للموارد العمومية نحو الفئات ذات الدخل المحدود، بما يعزز الإنصاف ويخفف التفاوت في النفاذ إلى الغذاء والصحة والخدمات الأساسية. كما أن البرنامج الاستثنائي لشهر رمضان، الذي شمل نحو 380 ألف أسرة بقيمة تفوق 10 مليارات أوقية قديمة، يجسد قدرة على الاستجابة السريعة للضغوط الموسمية وارتفاع كلفة المعيشة.

في المحصلة، تمثل هذه الأرقام حزمة تدخل اجتماعي يصعب التقليل من أثرها المباشر؛ فهي تخفف العبء الآني وتوفر هامش أمان ضروري في ظروف اقتصادية متقلبة. وهذا هو ما ذهبت إليه تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول شبكات الأمان الاجتماعي، التي جاء فيها أن التحويلات النقدية المنتظمة تحسن الاستهلاك الغذائي، وتعزز الاستقرار الأسري وتدعم التماسك الاجتماعي على المدى القصير.

غير أن التقييم الموضوعي اليوم لـ«تآزر» يقتضي التفريق بين أثرها الاجتماعي الفوري، وهو أثر ملموس لا جدال فيه، والتحويلي على المدى الطويل. فالمعيار الاقتصادي لا يقف عند عدد الأسر المستفيدة، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال عن أثر "المضاعف" الذي يولده الإنفاق في النشاط والدخل والإنتاج.

تقول النظرية الاقتصادية إن كل تحويل نقدي يرفع الاستهلاك، وكل زيادة في الاستهلاك تولد طلبًا إضافيًا في الأسواق المحلية. وتشير الأدبيات المتعلقة بمضاعف الإنفاق الاجتماعي في الدول منخفضة الدخل إلى أن هذا المضاعف يتراوح عادة بين 0.6 و1.5 بحسب كفاءة الاستهداف ونسبة التسرب والاستيراد. أي أن كل أوقية قد تولّد نشاطًا اقتصاديًا إضافيًا إذا أُديرت بكفاءة. غير أن هذه تقديرات نظرية تظل بحاجة إلى قياس ميداني دقيق.

الأثر الثاني، يتعلق برأس المال البشري. فالإنفاق على الصحة والتغذية والتعليم لا ينبغي النظر إليه كعبء استهلاكي، بل كاستثمار يراكم القدرة الإنتاجية للمجتمع في المستقبل. صحيح أن مردوديته لا تنعكس فورًا في معدلات النمو السنوي، لكنها تتجلى تدريجيًا في تحسن قابلية التشغيل، وانحسار الفقر البنيوي، وارتفاع متوسط الدخل على المدى المتوسط والطويل.

غير أن هذا المسار لا يتحقق تلقائيًا؛ وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نمتلك أدوات قياس واضحة ترصد الانتقال من منطق "الحماية الاجتماعية " إلى منطق "تعزيز الإنتاجية"؟ هل تراجع الفقر متعدد الأبعاد في المناطق المستفيدة؟ وهل تحسنت مؤشرات التمدرس والتغطية الصحية بشكل مستدام؟ والأهم، هل انعكس ذلك فعليًا على دخول الأسر بعد سنوات من الاستفادة، أم ظل الأثر حبيس التحويلات الظرفية؟

إن ما تقوم به «تآزر» حتى الساعة من توسع غير مسبوق في التغطية الاجتماعية هو إنجاز كمي واضح. غير أن مستقبل تدخلها يجب ألا يظل محصورا في منطق التوسع، بل ينبغي أن ينتقل إلى منطق تعظيم العائد. وهذا يقتضي ربط جزء من التحويلات ببرامج إدماج اقتصادي فعلي، ووضع أدوات تقييم دورية تقيس الأثر على الفقر والدخل وتحسين الظروف المعيشية.

إذن، التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة يجب أن يكون: تحويل جزء من هذا الإنفاق الاجتماعي لصالح الفقراء إلى قدرة إنتاجية. وتحويل «تآزر» من شبكة أمان إلى رافعة لنمو شامل ومستدام يلبي الطموحات التنموية ويحقق الأهداف الاجتماعية.

إذا أرادت «تآزر» تحويل الدعم المؤقت إلى قدرة إنتاجية مستدامة، فإن عليها اتباع خطوات أساسية:

أولا، تحديد الطلب الفعلي: فقبل توزيع الأصول الإنتاجية، يجب البدء بإعداد خريطة تحدد الطلب والحاجة (ما يُستهلك فعلًا) على المستوى المحلي (مقاطعة/بلدية). فالتوزيع إذا لم يُبنَ على طلب حقيقي في السوق ويكون استجابة لفرصة قائمة بدلا من البحث عن أي نشاط مهما كان، فإن مصيره الفشل والتلاشي؛

ثانيا، ضمان الاستمرارية في المرحلة الأولى: ليس كافيًا منح الأصل فقط، بل يجب توفير المرافقة المستمرة، والمتابعة الدقيقة، والتدخل المبكر لتصحيح الأخطاء لضمان نجاح السنة الأولى الحاسمة؛

ثالثا، ترسيخ الانضباط المالي بشكل تدريجي: وذلك من خلال توجيه جزء بسيط من الدخل المتولد نحو ادخار دوري، حتى لو كان رمزيًا، لتنشئة عادة مالية تعزز الاستدامة الاقتصادية للأسر المستفيدة.

فبعد سنوات اضطلعت فيها برامج المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر» بدور شبكة أمان اجتماعي، بات من الضروري مراجعة معيار التقييم، بحيث يُقاس النجاح لا بحجم الإنفاق أو بعدد المستفيدين، بل بمدى قدرة هذه البرامج على تقليص قاعدة الاعتماد عليها تدريجيًا. فشبكات الأمان خُلقت لتخفيف الهشاشة الحادة وامتصاص الصدمات، لا لتحويل المساعدة إلى حالة دائمة أو نمط عيش مستمر.

في المحصلة، الرهان ليس في توسيع دائرة التغطية بقدر ما هو في إعادة توجيه البوصلة: من حماية تُموَّل سنويًا إلى تمكين يولّد دخلًا مستدامًا. من تحويلات تنعش الاستهلاك مؤقتًا، إلى استثمارات تُراكم أصولًا، وتنمّي مهارات، وتفتح منافذ فعلية إلى السوق. عندئذ فقط يغادر يتحول "الأثر المضاعف" من فرضية اقتصادية إلى واقع يُقاس بارتفاع الدخل، وتراجع الفقر البنيوي، واتساع قاعدة الانتاج.

وعندما يُعاد تعريف النجاح داخل «تآزر» من سؤال: كم أسرة استفادت؟ إلى سؤال أعمق: كم أسرة خرجت من دائرة الاعتماد، ولم تعد بحاجة للتحويلات؟ يمكن القول، ساعتها، إنها انتقلت فعلًا من منطق الحماية إلى منطق التمكين، ومن إدارة مظاهر الفقر إلى معالجة أسبابه.