في زمن أصبح فيه الهاتف الذكي أداة أساسية للتعلم والعمل والتواصل هل من المنطقي أن يتحول اقتناء هذا الهاتف إلى عبء اقتصادي جديد يثقل كاهل المواطن؟!
للأسف هذا ما يبدو جليا من خلال حجم التأثير الذي عكسه القرار على سوق من أنشط الأسواق وأكثرها حركية في العاصمة نواكشوط، إذ أن هذه السياسة الضريبية الأخيرة المتعلقة بجمركة الهواتف لا تمس التجار وحدهم كما قد يبدو في ظاهرها بل تضرب بشكل مباشر قدرة المواطن البسيط على الوصول إلى واحدة من أهم وسائل الحياة العصرية وتسببت منذ بداية الإعلان عنها من الحكومة في تسريح مئات الشباب من بسطاء العاملين في هذا القطاع..
إن فرض ضريبة تصل إلى نحو 30% من قيمة أي هاتف لا يعني في الواقع إلا نقل التكلفة تلقائيا إلى المستهلك النهائي فالتاجر مهما حاول امتصاص هذه الصدمة لا يمكنه في نهاية المطاف تحمل أي عبء ضريبي بهذا الحجم ليصبح المواطن الساعى لاقتناء هاتف يلبي احتياجاته اليومية هو الحلقة الأضعف التي تتحمل فاتورة هذه السياسة الجبائية المفرطة؛ ولا يقف تأثير هذه الإجراءات عند المستهلك فحسب بل يمتد إلى قطاع اقتصادي كامل فتجارة الهواتف في موريتانيا ليست نشاطا هامشيا، بل هي الفرع الأنشط في قطاع الخدمات وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل للشباب معيلي الأسر بشكل مباشر وغير مباشر، وبالتالي يصبح التضييق الضريبي على هذا النشاط يهدد استمراريته، ويضع الكثير من العاملين فيه أمام خيار صعب في وقت يعاني فيه معظم فئات المجتمع الموريتاني يوما بعد يوم من مستويات مرتفعة من الضغط على القدرة الشرائية والبطالة والهشاشة الاجتماعية.
والأكثر إثارة للاستغراب هو توسيع نطاق هذه الإجراءات الإجراءات الضريبية لتشمل ملاحقة الهواتف المستعملة التي بحوزة المواطنين أو المغتربين بهدف إخضاعها للجمركة، فمثل هذه الممارسات بعيدة كل البعد عن روح السياسات الاقتصادية الحديثة، بل توحي بنوع من التضييق الإداري الذي لا ينسجم مع واقع بلد يواجه مواطنوه تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة.
وأمام هذه السياسة الجبائية الخانقة لفرص التشغيل يجب أن يطرح سؤال جوهري حول فلسفة السياسة الضريبية في البلاد: هل الهدف هو تعظيم التحصيل الضريبي بأي ثمن، أم تحقيق توازن عادل بين حاجة الدولة إلى الموارد وحاجة المجتمع إلى الحماية الاقتصادية؟ فموريتانيا، التي تعاني أصلاً من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة، ليست في وضع يسمح بتطبيق سياسات ضريبية صارمة دون مراعاة آثارها الاجتماعية كما أنه لم يعد مستساغا كما نسمع في الخرجات الرسمية التعامل مع الهاتف وكأنه سلعة كمالية أو امتياز خاص بالمقارنة مع ما يرتبط به من تسهيل وصول الناس إلى مختلف خدمات التواصل ووسائط التعلم والبيع والشراء والاندماج في الاقتصاد الرقمي الحديث.
إن مسؤولية تصحيح هذا المسار الجبائي تقع في النهاية على عاتق فخامة رئيس الجمهورية بحكم مسؤولياته الدستورية في الموازنة بين متطلبات الدولة وحقوق المواطنين بما ينسجم مع البعد الاجتماعي للبرنامج الذي انتُخب على أساسه، فقدرة الدولة على جباية الضرائب لاتمثل أي قوة اقتصادية بقدر ما تمثله قدرتها على حماية مواطنيها من آثار السياسات الضريبية التي تثقل كاهلهم وتفقدهم أي فرص واعدة للتشغيل.














