
طالب الدكتور عبد الله حمدي،- رئيس مركز الضياء الكندي للدراسات العربية، كالغري- كندا،- بإعادة الاعتبار للمدرسة الرمضانيّة القائمة على التزاور والتكافل الاجتماعي لأن موائد الإفطار كبرت وتنوعت لكن الحياة الاجتماعية تقلصت فصلة الرحم تكاد تنعدم وإن وجدت فعبر وسائل التواصل الاجتماعي مما أثر بشكل ملحوظ على الجيل الصاعد..
وتحدث الدكتور ولد حمدي عن تنوع تجربة الصيام بين موريتانيا وشرق آسيا وبينهما ودولة كندا التي يبلغ نهار الصيام فيها 20 ساعة حيث عاش تجارب حسنة مع الصيام في هذه البئات المختلفة..
واعتبر الدكتور ولد حمدي رمضان مدرسة قرآنية مكتملة الأركان و فرصة نادرة ينبغي ان تستغل للعيش في رياض كتاب الله بغض النظر عن القارئ رغم إدراكه ان القراء ليسوا على درجة واحدة من حيث الأداء وحسن الصوت لكن القرآن هو القرآن، يقول ولد حمدي وأتذكر ذلك الشاب الصومالي الذي كان يؤمنا في اول تراويح فى مركزنا مركز الضياء للدراسات العربية في كالغري سنة 2010 حيث كانت قراءته عفوية و عطرة دون تكلف تدخل القلب,تستشعر فيها الإخلاص والطمأنينة والسكينة،
وأضاف أن من اكبرالتحديات وأعظم الأمور التى عاشها في الغربة عن بلاد المسلمين اختلاف الرؤية عند المسلمين في المدينة الواحدة لأن كل جماعة منهم تقلد شيخا في بلد من البلدان الاسلامية مما ولد ارتباكا عند غير المسلمين الذين جاؤوا يهنئون ويحملون الورود بمناسبة حلول شهر رمضان..
وتطرق الدكتور في مقابلة حصرية مع موقع الفكر إلى ذكرياته عن أول تجربة له مع الصيام عندما كان طالبا ومتعلما في مدينة اكجودت في العام 1977، حيث المزاوجة بين العبادة والتعلم.. وغير ذلك من ذكرياته الجميلة مع الشهر الفضيل فإلى المقابلة:
موقع الفكر: ما الذي تستحضرون من ذكرياتكم في هذا الشهر، خاصة أول شهر تصومونه، وكيف كانت الظروف آنذاك؟
د. عبد الله حمدي: لقد صمت رمضاني الاول في العام 1977، بمدينة أكجوجت وكان جيلي من الشباب وقتها يحبون ذلك الضيف وكنا نستقبله ببهجة وسرور لأن روتين الحياة في المدينة سيتغير،أطعمة جديدة لم نعهدها في بقية السنة ، السهر مع الأصدقاء ، تبادل الزيارات بين العائلات بعفوية و دون مواعيد، نشاط دعوي تصاحبه إفطارات جماعية في المساجد.. الخ، كانت أجواء الصوم تتسم بالحر الشديد، يوم طويل مرهق لا تغيب عن عينيك فيه رش بعض الصائمين بالماء لمساعدتهم على إكمال يومهم. وكانت موائد الإفطار تتسم في اغلب المنازل بالبساطة لكن تلمس فيها البركة، فصحة الناس جيدة وأجواؤهم سعيدة و مريحة رغم شح الموارد.
من الأمور التي بقيت معى في الذاكرة حرص الآباء على توجيه الأبناء إلى حلقات القرآن و النحو والفقه في المحاظر المنتشرة في زوايا المدينة الاربعة، فكل أب يسأل ابنه في المساء ماذا حفظت اليوم من أشعار العرب أو من نوازل الفقه؟ .. لقد كان الجميع يعيش أجواء ربانية عبادة وعملا وإنفاقا الأمر الذي ساعد في تعميق روح الأخوة والتكافل الاجتماعي في المنطقة، و مازلت أتذكر والدي رحمه الله في شهر رمضان يحيي هذا الشهر في "حانوته" العامر بحلقات من كتب مثل: رياض الصالحين وتنبيه الغافلين ومختصر خليل وكان يفضل تناول الإفطار في الشارع أمام محلّه التجاري ليصطاد المارة ليشاركوا العائلة إفطارها المتواضع في جو من المحبة والتحصيل العلمي. أتذكر من العادات الشائعة في المنطقة طلقات نارية وقت الإفطار ينتظرها الجميع بلهفة وحلق الرجال رؤوسهم (زغبة رمضان) لنمو شعر جديد مع نهاية الشهر أملا في الصحة و البركة.
موقع الفكر: هل صمتم رمضان في الغربة وكيف كانت ذكرياتكم بهذا الخصوص؟
د.عبد الله حمدي: لقد صمت شهر رمضان المبارك في بلدان عديدة لأكثر من ربع قرن نظرا لظروف العمل، فكانت أول تجربة لي مع الصوم في جنوب شرق آسيا سنة 1996 أثناء عملى في جامعة في اكوالالمبور ماليزيا .
لفت انتباهي الاستعداد التام لاستقبال شهر رمضان حيث تقوم البلديات برش الشوارع الرئيسة، وتنظيف الساحات العامة، وتنصب حبال الزينة والزخرفة والمصابيح الكهربائية في الشوارع الرئيسة للبلد. كذلك تقوم معظم المحلات التجارية بكتابة لوحات بالعربية عليها شعارات مثل: مرحبا برمضان ورمضان مبارك. أما المساجد فلا تحتاج إلى استعداد لأنها نظيفة والعناية بها كبيرة جدا، حيث يُحْرَص على إطلاق البخور واستمراره فيها احتفاءً بشهر رمضان.
هناك تقليد شائع أن تضاء مآذن المساجد وتفتح أبوابها طيلة الشهر المبارك وتعج بالمصلين في الصلوات الخمس وتقام فيها التراويح 20 ركعة، وتنظم في المساجد إفطارات جماعية كل يوم وحلقات علمية في الفقه والتفسير هذا فضلا عن التلاوة الدائمة للقرآن الكريم.
وجبة الإفطار الأساسية في ماليزيا الأرز فهو عندهم في كل الوجبات فاستعمال الخبز نادر بل شبه معدوم.
الجميع يذهب إلى المساجد، الصبية باللباس المحلي والنساء بالحجاب الشرعي ويجتهد الجميع في تلاوة القرآن وتدبره في الشهر كله وخصوصا في التهجد في العشر الأواخر.
هناك طقوس لازالت قائمة إلى اليوم منها ( المسحراتي) الذي يتجول بين الأحياء وفي الأزقة ليوقظ الناس للسحور. كذلك من عوائدهم أيضا أن يتناولوا بعد الفراغ من طعام السحور شرابًا يسمى (الكولاك) وهو شراب يساعد على تحمل العطش ويمنح الجسم طاقة أثناء النهار.
يبدأ الاستعداد للعيد (هاري رايا) في العشر الأواخر بجمع زكاة الفطر وتوزيعها على المستحقين بصورة شفافة و عادلة.
و في الأخير هناك احترام من طرف غير المسلمين لهذا الشهر الكريم حيث يتسم الجميع بروح التسامح فلا تقدم الوجبات في نهار رمضان جهارا ويشاركون المسلمين في أنشطتهم المختلفة مثل الصوم وإعداد موائد الإفطار. والجدير بالذكر أن نسبة المسلمين في ماليزيا حوالي 51 بالمائة والبقية موزعة بين الصينيين والهنود.
أما في كندا فقد صمت فيها عدة رمضانات منذ 2006 في ولاية "البرتا" مدينة اكراند ابريري حيث كنت اشرف على البرنامج التعليمي في المركز الإسلامي فيها.
لقد كان وقت الصيام يبلغ 20 ساعة، وكان المسجد يمتلئ بالمصلين من مختلف الجنسيات حيث كانت تقام الصلوات الخمس والتراويح وصلاة التهجد وحلق الذكر ودروس في الفقه وتفسير القرآن الكريم هذا فضلا عن الإفطارات الجماعية كل ليلة حيث تأتي كل اسرة بإفطارها إلى المسجد وهناك ستجد الوجبات الموريتانية واللبنانية والسورية والصومالية والباكستانية والتركية والمغربية…الخ عندها تحس بعظمة الإسلام الذي صهر هذه الأعراق كلها في بوتقة واحدة قوامها الإيمان والتقوى فتنوعنا يجمعنا فهو عامل اثراء لا عامل فرقة. لقد كانت موائد الرحمن في المسجد فرصة للتعارف والتكافل الاجتماعي مما خفف من آلام الغربة والبعد عن الأوطان.
لقد كان يومنا في الصيام طويلا لكن كان لطيفا وكنا أحسن من جيراننا في منطقة "يولونايف" التي تعيش ستة اشهر في ضوء الشمس وستة اشهر فى الظلام وكانوا يقتدون بمكة المكرمة أو بأقرب مدينة معتدلة لهم.
والجدير بالذكر أن المشرف العام على المسجد والمركز الإسلامي تاجر لبناني اسمه ادوارد حسين اكتشف أنه مسلم بعد تجاوزه سبعين سنة من عمره وكان حريصا على فعل الخير وقد حاول جاهدا ان يحفظ الفاتحة لكنه لم يوفق لذلك، فصار يقرأ معانيها بالإنجليزية في الصلاة، وعندما توفيت أمه - التي كنا نظن انها مسيحية -وجدت وصية لها ان تدفن في مقابر المسلمين.
كنا في شهر رمضان نقوم بزيارات للقرى المجاورة بتشجيع من أدوارد لأن فيها جاليات عربية هاجرت اليها منذ أزيد من قرن وقد ذابت فى المجتمع المحلي فعلي هو آلكس ومحمد هو مو ويوسف هو جوزيف…الخ فكانوا يرحبون بنا ونعرفهم على المسجد وندعوهم لزيارته.
موقع الفكر: رمضان شهر القرآن، هل تحرصون على أداء التراويح في المسجد، أم في البيت؟ وهل هناك قارئ تحرصون على الصلاة وراءه وكيف كانت ذكرياتكم مع أول تراويح؟
د.عبد الله حمدي: رمضان هو شهر القرآن الكريم وهو فرصة لتهذيب النفس والتخلص من العادات السيئة لذا كان حضور صلاة الفرض والتراويح في المسجد من أعظم الوسائل لنقل النفس من طور الانطلاق الحر إلى طور الضبط والاستقامة، فرمضان مدرسة قرآنية مكتملة الأركان وهو فرصة نادرة ينبغي ان تستغل للعيش في رياض كتاب الله بغض النظر عن القارئ رغم إدراكي ان القراء ليسوا على درجة واحدة من حيث الأداء وحسن الصوت لكن القرآن هو القرآن وأتذكر ذلك الشاب الصومالي الذي كان يؤمنا في اول تراويح فى مركزنا مركز الضياء للدراسات العربية في كالغري سنة 2010 حيث كانت قراءته عفوية و عطرة دون تكلف تدخل القلب,تستشعر فيها الإخلاص والطمأنينة والسكينة، هذا بالإضافة إلى تقديم حلقات في اللغة والتفسير وفقه الاسرة. هذه البرامج حافظت على هوية الشباب ولفتت انتباه غير المسلمين إلى هذا الدين، حيث لم تكن المساجد الكبيرة تخلو فى صلاة الجمعة من معتنق جديد للإسلام وهكذا توافد الناس على هذا الدين أفواجا.
موقع الفكر: ما أبرز التحديات التى علقت بذهنك في رحلتك الرمضانية ؟
د. عبد الله حمدي: من أكثر التحديات وأعظم الأمور التى لا أنساهااختلاف الرؤية عند المسلمين في المدينة الواحدة لأن كل جماعة منهم تقلد شيخا في بلد من البلدان الاسلامية مما ولد ارتباكا عند غير المسلمين الذين جاؤوا يهنئون ويحملون الورود بمناسبة حلول شهر رمضان فوجدوهم -مع الأسف - لا يصومون ولا يفطرون في يوم واحد . اللهم وحد كلمة المسلمين.
موقع الفكر: هل من كلمة أخيرة؟
د. عبد الله حمدي: نأمل أن نعيد الاعتبار للمدرسة الرمضانيّة القائمة على التزاور والتكافل الاجتماعي لأن موائد الإفطار كبرت وتنوعت لكن الحياة الاجتماعية تقلصت فصلة الرحم تكاد تنعدم وان وجدت فعبر وسائل التواصل الاجتماعي مما أثر بشكل ملحوظ على الجيل الصاعد فهل نحن على وعي بتلك التحديات التى تحاول جاهدة أن تفرغ الشهر الفضيل من محتواه الديني والتربوي؟.














