
في قلب صحراء موريتانيا، على بعد ساعات عن أقرب الطرق الرئيسية، يرتفع مجمع زراعي ضخم من البيوت الزجاجية، تمتد تحته أنابيب بطول 35 ميلاً لنقل المياه إلى هذا الموقع النائي. مشروع كبير تملكه شركة إماراتية بهدف زراعة التوت الأزرق.
لكن الواقع يختلف عن الإعلان. فالظروف الصحراوية القاسية وغبار الصحراء جعلت زراعة الفاكهة الرقيقة شبه مستحيلة، واضطرت الشركة لزراعة محاصيل أكثر صلابة مثل البطيخ، الذي يُصدر بالكامل إلى أوروبا، ولا يعود بالنفع على الأمن الغذائي المحلي أو الإماراتي.
**فجوة كبيرة
في السنوات الأخيرة، كثفت الإمارات استثماراتها الزراعية في إفريقيا، من السودان إلى موريتانيا، في محاولة لتقليل اعتمادها على الغذاء المستورد. رغم ضخ مليارات الدولارات، تظل المشاريع معرضة للفشل، بسبب نقص الخبرة في الأراضي الصحراوية البعيدة، وقلة الشفافية، وأحياناً نتيجة إدارة غير فعالة أو انسحاب مفاجئ للشركات بعد الخسائر.
وفي موريتانيا، تظهر هذه المشاريع الفجوة بين الطموح والواقع. فقد أعلنت الشركات عن آلاف الأفدنة المزروعة بالتوت الأزرق، لكن الغالبية العظمى من الأراضي بقيت خالية، بينما يستهلك مشروع البيوت الزجاجية جزءاً ضئيلاً فقط من المساحة الإجمالية.
ويرى الخبراء أن هذه الاستثمارات ليست فقط مسألة أمن غذائي، بل وسيلة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي. فمن خلال مشاريع زراعية في دول مثل موريتانيا، تستطيع الشركات الإماراتية فتح أبواب لمجالات أخرى مثل التعدين والطاقة والنقل، بينما تبقى المجتمعات المحلية محدودة الاستفادة من هذه الأراضي، وأحياناً محرومة منها.
**طموحات أقرب إلى السراب
تاريخياً، اعتمدت الإمارات على مشاريع زراعية محلية محدودة، لكنها حاولت عبر العقود الماضية نقل خبراتها واستثماراتها إلى دول إفريقية، سعياً لإظهار قدرتها على الابتكار وإدارة الموارد الطبيعية، رغم صعوبة البيئة الصحراوية.
في ظل الحروب الإقليمية وتعطل سلاسل الإمداد الغذائي، تتضح هشاشة الاستراتيجية الإماراتية. حتى مع وجود مشاريع مثل تلك في موريتانيا، يظل الأمن الغذائي الإماراتي رهين الإمدادات العالمية، فيما تتحول المشاريع الزراعية في البلاد إلى رموز للنفوذ السياسي أكثر منها إنتاجاً فعلياً للغذاء.
ورغم كل ذلك، تواصل الشركات الإماراتية الاستثمار، معلنة عن خطط مستقبلية لتوسيع المشاريع، في وقت تبقى فيه الأراضي الصحراوية الموريتانية شاهدة على طموحات كبيرة قد تكون أقرب إلى السراب من الواقع.
رابط المقال:
https://newlinesmag.com/spotlight/the-limits-of-the-uaes-push-for-food-s...













