
في الليالي المباركة التي تسمو فيها الأرواح، وتأنس فيها القلوب بذكر الله وذكر الصالحين، يطيب لنا أن نقف عند صفحة مضيئة من صفحات الوفاء الروحي والاجتماعي، وأن نستحضر وثيقةً نفيسة تختزن معاني المحبة، وحسن الجوار، وعلو المقام، وعمق الصلة بين أهل الفضل والعلم.
وتتمثل هذه الوثيقة في رسالة جليلة بعث بها الولي الكامل الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل إلى الولي الكامل الشيخ محمد بن المحبوبي، يستأذنه فيها في النزول قريبًا من القوم، وحفر بئر بأرض النمجاط، طلبًا للماء، ورغبة في حسن الجوار، وتطلعًا إلى أن ينتفع العيال والطلاب من كريم الطباع، وشريف الأخلاق، ونافع العلوم.
ولم تكن هذه الرسالة مجرد طلب في أمر معاشي، بل كانت شاهدًا بليغًا على مقام الشيخ محمد المحبوبي في النفوس، وعلى ما كان يربط بين الشيخين الكريمين من توقير صادق، ومودة خالصة، واحترام عميق، كما كانت دليلاً ناصعًا على متانة الروابط الأصيلة بين الأسرتين، تلك الروابط التي لم تقم على مجرد النسب أو الجوار، بل تأسست على العلم، والفضل، والدين، والوفاء.
ومن أبهى ما حفظته هذه الرسالة قول صاحبها في وصف غايته من القرب والجوار:
"ليقتبس العيال من طباعكم الحميدة، ويتعلموا من علومكم المفيدة"
وهي عبارة تختصر وحدها عالمًا كاملًا من المعاني؛ إذ تجعل من الجوار مدرسة، ومن القرب تربية، ومن صحبة الصالحين ميراثًا أخلاقيًا وعلميًا وروحيًا. فالجيرة عند الأسلاف لم تكن مجاورة مكان فحسب، بل كانت مجاورة قيم، وتعلقًا بمواطن البركة، وطلبًا للتهذيب قبل طلب المنفعة.
وقد ورد في نص الرسالة ما يشهد أيضًا على ورع الشيخ سعد أبيه وشدة تحرزه في أمر الحقوق والأرض، إذ لم يكتف بطلب الإذن والاستئذان، بل صرح بما يدل على تمام تقواه وخوفه من الله، حين قال إنه يستعيذ بالله تعالى من أن يغتصب شبرًا من الأرض، خوفًا من الوعيد الشديد الوارد في ذلك وهذه اللفتة الجليلة ليست عبارة عابرة في سياق الرسالة، بل هي مفتاح من مفاتيح فهم شخصيته، ودليل على أن الرجل، مع مكانته العلمية والروحية، كان شديد التحري، لا يرضى أن يأخذ أرضًا بغير حق، ولا أن يمد يده إلى موضع لم يؤذن له فيه، بل جعل الورع أصلًا سابقًا على الطلب، وجعل صيانة الحقوق مقدمة على كل رغبة ومصلحة وفي ذلك أسمى صورة من صور الأدب مع الله، ومع عباده، ومع حدود الحق.
وقد جاء في نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبيه الكريم.
وبعد، فسلام لا سماء تظله ولا أرض تقله، من شيخنا الشيخ سعد بوه، بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه، إلى الجماعة الكرام جماعة آل آشكتب، وخصوصًا آسكرة محمد بن المحبوب وحيّه
وموجبه إعلامكم بمجيئنا من أرض الحوض، ونزولنا بمنطقة في جوف البلاد وشمالها، ولكن لم يطب لنا المقام في شيء من ذلك لأسباب لا داعي لذكرها. ومنذ عامين نزلنا ببلدكم هذه، ومنذ نزلناها لم نلق إلا خيرًا، ولم نسمع، والحمد لله، إلا خيرًا.
لكننا، كما تسمعون، نشرب من بئر بعيدة منا، هي بئر النمجاط، وماؤها عذب، لكنه قليل، وموردها منا بعيد، وذلك ثقيل على طلابنا الذين ربما حملوا لنا الماء على ظهورهم، وليس ذلك من الرفق بهم عندنا
فنرجو من فضلكم رأب هذا الأمر بحسن جواركم، ليقتبس العيال من طباعكم الحميدة، ويتعلموا من علومكم المفيدة. وذلك لا يتم إلا بإذنكم لنا في محل من أرضكم هذه نقيم فيه قريبًا منكم لنحصل على شراب لائق، وستجدون منا حسن الجوار إن شاء الله تعالى، كعادة أسلافنا مع من جاوروهم أو جاورهم
مع أننا أهل الطريقة، لا يليق بنا كثرة التنقل، وقد بعثت لكم برسالة قبل هذه في هذا الغرض، مع أني أستعيذ بالله تعالى من أن أغتصب شبرًا من الأرض، خوفًا من شدة الوعيد الوارد في ذلك
والسلام وبه إليكم.
كتبه محمد جب، بأمر من شيخه.
ومما زاد هذه الحادثة إشراقًا، وخلدها في الذاكرة، ما يُروى من جواب الشيخ محمد المحبوبي حين بلغه طلب حفر بئر النمجاط، فقد روي ابنه العلامة الشيخ الشفيع وكان حاضرا وقت مجيئه رسول الشيخ سعد أبيه أنه قال للرسول «لو شاء فليحفر هنا"، وأشار بإصبعه إلى جبهته. وهي كلمة وجيزة في لفظها، عظيمة في معناها، تشهد على سعة صدر، وتمام مودة، وكمال رضًا، حتى بدا كأن الإذن لم يعد متعلقًا بأرض، بل صار صورة من صور المحبة الخالصة، والثقة الكاملة، وحسن الظن بأهل الله.
كما أن هذه الوثيقة تزداد قيمةً وبهاءً بكونها محفوظة ضمن أرشيف المستعمر، وقد عثر عليها باحث ألماني، فخرجت من خزائن الوثائق لتعيد إلى الأذهان صفحة مشرقة من تاريخ العلاقات العلمية والروحية والاجتماعية في هذه البلاد، ولتشهد على أصالة الوشائج التي جمعت بين البيوتات الكريمة، ووثقتها الأخلاق كما وثقتها الأيام.
إن استحضار هذه الرسالة في السابع والعشرين من رمضان ليس مجرد وقوف عند ذكرى ماضية، بل هو إحياء لمعانٍ باقية: معنى البركة في صحبة الصالحين، ومعنى الوفاء بين الأسر الكريمة، ومعنى الجوار القائم على الخلق والدين، ومعنى الاحترام الذي يليق بأهل الفضل والعلم.
وهي كذلك مناسبة كريمة لتجديد الوعي بأن ما تركه الآباء من محبة ومودة وتقدير لا ينبغي أن يبقى مجرد رواية محفوظة، بل ينبغي أن يظل حيًا في الوجدان، ممتدًا في السلوك، ومتجددًا في صلة الرحم، وحفظ الود، وصيانة الإرث المعنوي الذي تتشرف به الأجيال.
ومما يدل أيضا على إجلال الشيخ السعد بوه للشيخ محمد المحبوبي أن لم يلقه إلا وقدمه للصلاة.
ومن المصادفات أن وفاة الشيخين كانت في نفس العام ١٣٣٥ هجرية وقد أرخص لوفاتهما أخ الشيخ محمد العلامة الشيخ المختار بن المحبوبي في نظمه حوادث السنين:
ومات في هل من الأعيان سعد أبيه قرة الزمان
من عم الأرض مشرقا ومغربا علما وحلما وتقي وأدبا
ونشر الأوراد والسودان ذلوا له وخضعوا ودانوا
مات به محمد بن الوالد ولا يليق الذكر بالمحامد
والمقصود بمحمد هنا الشيخ محمد بن المحبوبي
نسأل الله تعالى في هذه الليلة المباركة أن يرضى عن الشيخين الجليلين الشيخ محمد المحبوبي والشيخ سعد بوه، وأن ينفعنا ببركتهما، وأن يجزيهما عن العلم والصلاح والتربية خير الجزاء، وأن يديم بين الأسرتين سبل المودة والوفاء، وأن يجعل هذا الأثر المبارك نورًا للأبناء والأحفاد، وذخرًا للذاكرة، وعنوانًا دائمًا على أصالة المحبة وكرم الجوار.
رضي الله عنهما وأرضاهما، ونفعنا ببركتهما، وجمعنا بهما في الفردوس الأعلى من الجنة.
الشفيع الشيخ محمد المحبوبي















