
لم يدرك بعض داعمي فخامة رئيس الجمهورية أهمية بيان حزب الإنصاف الأخير المتعلق بضريبة الهواتف، وانتقد صحفيون ومدنون داعمون لرئيس الجمهورية هذا البيان بشدة، بحجة أن دور الحزب يجب أن يقتصر على الدعم والإشادة بكل ما تقوم به الحكومة. أما نقد العمل الحكومي، أو التحفظ على أي إجراء أو قرار حكومي، فيجب أن يترك حصرا لمعارضي النظام.
على المستوى الشخصي، فإني لم أتردد في تسجيل إعجابي ببيان الحزب، وقد افتتحتُ مقالي: "ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار" بفقرة من البيان المذكور، وهي الفقرة التي جاء فيها: "ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين، وظروفهم المعيشية، خصوصا فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".
وكان تعليقي في المقال على هذه الفقرة من البيان: "إن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب."
لا خلاف على أن المطلوب من الحزب الحاكم، بل ومن كل الأحزاب المنخرطة في الأغلبية الداعمة للنظام، الدفاع عن الحكومة وتسويق منجزاتها، ولكن هناك لحظات يكون فيها من واجب الحزب أن يُسارع إلى رصد ردود الأفعال على بعض القرارات الحكومية، والعمل على امتصاص أي غضب شعبي يظهر من قبل أن يتسع فيربك العمل الحكومي، ويشوش على الصورة التي اشتغل عليها فخامة الرئيس خلال السنوات الست الماضية، أي صورة النظام القريب من الفئات الهشة المهتم بالشباب.
فأن تخرج احتجاجات شعبية بحضور معتبر في يوم حار من أيام رمضان، لتحتج على قرار حكومي اتخذ في عهد رئيس توقفت الاحتجاجات في فترة حكمه، ولست سنوات متواصلة، فتلك رسالة يجب على داعمي النظام أن يسارعوا إلى قراءتها، وأن يتعاملوا مع مضامينها بذكاء وحكمة وبشكل استباقي، لأنه بدون ذلك التعامل، فإن تلك الاحتجاجات كان يمكن أن تتطور، وتكسر الهدوء السياسي الذي اشتغل عليه كثيرا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال سنواته الست الماضية.
وعندما ينكسر ذلك الهدوء، وتبدأ عدوى الاحتجاجات تصيب فئات أخرى، فحينها ستتغير أمور كثيرة، ولن تجد الحكومة الظروف المناسبة لأداء مهامها.
يبدو أن هذا هو ما أدركه حزب الإنصاف، فأصدر بيانه الذي كان من الواضح أنه رسالة تهدئة وطمأنة للمحتجين، لتتوالى بعد ذلك بيانات أخرى لأحزاب في الأغلبية، دعت كلها إلى الحوار وفتح قناة للتفاوض مع المحتجين.
وكانت ثمرة الحوار والتفاوض أن أعلن ممثلو اتحاد أسواق الهواتف إنهاء الأزمة بشكل كلي، فأوقفوا الاحتجاجات وأشادوا بالنظام، وجاء على لسان المهندس عبد القادر ولد الشيخ المتحدث باسمهم: "...ومن هنا نؤكد أن هذا الحزب (أي حزب الإنصاف) انحاز إلى القواعد الشعبية، وإلى الطبقات الضعيفة، وإلى صوت الشباب الذي يعاني من هذه الضريبة التي كنا نعتبرها ضريبة مجحفة، وانحاز إلى صوت الشباب والطبقة الضعيفة وهذه لفتة تحسب له."
هكذا تمكن حزب الإنصاف وبقية أحزاب الأغلبية من تهدئة الساحة والتمهيد للحوار بين المحتجين والجهات المعنية بالضريبة، فتوقفت الاحتجاجات وتحولت إلى مؤتمرات صحفية للإشادة بالنظام، وهذا هو أفضل عمل يمكن للذراع السياسي للنظام أن يقوم به.
إنصافا لحزب الإنصاف
كثيرا ما انتقدتُ حزب الإنصاف، ولستُ نادما على ذلك، فمبرراتي في انتقاده كثيرة، ولكن بما أن المقام مقام إنصاف، وحتى لا أظلم الحزب في هذا المقام، فلا بد من القول بأن بيان ضريبة الهواتف لم يكن هو الموقف الوحيد الذي اتخذه الحزب في مثل هذه الحالات، فيُحسب للحزب أنه تعامل بأسلوب مماثل مع مشروع القانون رقم 010 ـ 25 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح، والذي أَبْعد النواب من قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح في نسخته التي صادقت عليها الحكومة، وهو ما أثار حينها ضجة كبيرة، وأذكر أننا كمنظمات ناشطة في مجال محاربة الفساد نددنا بشدة باستثناء النواب، وطالبنا مع غيرنا بإدراجهم في قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح، فلم يكن من الرئيس السابق للحزب إلا أن استدعانا في مكتبه، وأكد لنا أن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف يتبنى فكرة إدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح، وأنه سيصوت على إدراجهم في لائحة الملزمين بالتصريح بعد تعديل القانون، وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.
من كورونا إلى أزمة الطاقة: هل يتكرر الإجماع الوطني؟
ويبقى البيان الأكثر لفتا للانتباه الذي وقعه الحزب الحاكم، قبل أن تتم تسميته بحزب الإنصاف، هو بيان 14 مايو 2020، الذي جاء في إطار جهود الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان للتصدي لجائحة كورونا، وكان هذا البيان غير مسبوق في شكله ومحتواه، حتى وإن لم يجد من التغطية الإعلامية ولا من التفاعل السياسي ما يستحق.
لقد تضمن البيان عشر نقاط تحدثت كلها، باستثناء نقطتين فقط، عن بعض أوجه التقصير في الأداء الحكومي، وفي النقطتين السادسة والسابعة طالب البيان بتخفيض الأسعار.
اليوم تتشابه الظروف، ويمر العالم بأزمة بالغة الخطورة، فالآثار المترتبة على أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الحالية لا تختلف كثيرا عن الآثار المترتبة على وباء كورونا، فهل ستتمكن الحكومة والطبقة السياسية الموريتانية (موالاة ومعارضة) من خلق إجماع وطني للتصدي لآثار حرب الشرق الأوسط مثلما فعلت قبل ست سنوات خلال جائحة كورونا؟
حفظ الله موريتانيا..













