موريتانيا: لاجئون ماليون بين نيران الحرب والمخيمات المزدحمة على الحدود

في أقصى جنوب شرق موريتانيا، وعلى مقربة من الحدود مع مالي، تتشكل مأساة إنسانية متسارعة، حيث يفرّ آلاف المدنيين من تصاعد العنف في وسط مالي. هؤلاء اللاجئون، الذين تجاوز عددهم 13 ألف شخص خلال فترة قصيرة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وجدوا أنفسهم عالقين بين جماعات مسلحة متصارعة، من الجيش المالي المدعوم بقوات أجنبية، إلى جماعات متشددة تنشط في منطقة الساحل.

الهروب من العنف

يروي لاجئون مثل “مينتو” تفاصيل مرعبة عن اللحظات التي قلبت حياتهم رأسًا على عقب. فقد شهدت قراهم هجمات مفاجئة، وإطلاق نار عشوائي، وحرقًا للأسواق والمنازل، مع استخدام طائرات مسيّرة تسبق دخول المقاتلين. بالنسبة لكثيرين، كان الخيار الوحيد هو الفرار فورًا، حتى دون وقت لجمع ممتلكاتهم، بعد أوامر بمغادرة القرى خلال 24 ساعة، تحت تهديد اعتبار أي مدني متبقٍ “متعاونًا مع المسلحين”.

وتتكرر الشهادات المؤلمة من لاجئات مثل “غيدو” و“طيّاب”، اللواتي يروين مشاهد من الفوضى والدمار أثناء الفرار، حيث امتلأت الطرق بجثث محترقة وقرى مهجورة. هذه القصص تعكس حجم العنف الذي أصبح جزءًا من الحياة اليومية في بعض مناطق مالي، حيث تختلط العمليات العسكرية مع هجمات الجماعات المسلحة، ويصبح المدنيون الضحية الأولى.

 مدنيون بلا حماية

تعاني مالي منذ سنوات من صراع معقد بين الجيش وجماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متشددة، أبرزها جماعات موالية للقاعدة، إلى جانب تدخلات لقوات أجنبية مسلحة. هذا الواقع خلق بيئة من الخوف المستمر، حيث لا يتمكن السكان من التمييز بين طرف وآخر، وغالبًا ما يُعامل المدنيون كمشتبه بهم.

في ظل هذا الوضع، تتزايد الاتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة، تشمل عمليات قتل خارج القانون وتدمير قرى كاملة. كما أن بعض الجماعات المسلحة تفرض قيودًا صارمة على السكان، مثل الضرائب القسرية ومنع الموسيقى وفرض أنماط حياة محددة، ما يدفع المزيد من العائلات إلى الهروب بحثًا عن الأمان.

ومع استمرار التدهور الأمني، تتدفق موجات جديدة من النازحين نحو مخيم “امبرا” في موريتانيا، الذي كان مخصصًا في الأصل لعدد محدود من اللاجئين، لكنه أصبح اليوم مكتظًا بشكل يفوق قدرته بكثير.

الحياة في المخيم

داخل المخيم، يشكل النساء والأطفال الأغلبية الساحقة من اللاجئين، بينما يبقى الرجال غالبًا في مالي لرعاية الماشية أو حماية ما تبقى من مصادر العيش. هذا الانفصال العائلي يزيد من هشاشة الوضع الإنساني، ويجعل الأسر تعتمد بالكامل على المساعدات.

الأطفال يواجهون مخاطر كبيرة، إذ يفقد الكثير منهم التعليم والاستقرار الأسري، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والعنف. كما تشير تقارير إنسانية إلى ارتفاع حالات العنف الجنسي والزواج القسري في مناطق النزاع ومخيمات النزوح، مع نقص حاد في الخدمات المخصصة للناجيات.

ورغم الجهود الإنسانية لتوفير الغذاء والخيام والبطانيات، فإن الموارد غير كافية، خاصة بعد تراجع التمويل الدولي. هذا النقص يجبر العاملين في المجال الإنساني على اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع المساعدات، ما يترك أثرًا نفسيًا عميقًا عليهم.

ومع ذلك، يحاول اللاجئون التمسك بالحياة عبر إنشاء أسواق صغيرة داخل المخيم، وبيع السلع البسيطة مثل الشاي والسكر وشرائح الهاتف، في محاولة لاستعادة جزء من كرامتهم وسط واقع قاسٍ. لكن كثيرين يعيشون بين العودة والهروب المتكرر، كلما اشتعلت موجة جديدة من العنف في وطنهم.

رابط المقال:

https://www.google.com/amp/s/elpais.com/planeta-futuro/2026-03-30/vimos-...