
شهدت الساحة السياسية اليوم تطورا لافتا تمثل في تعليق جلسات الحوار بسبب طرح قضية المأموريات، ذلك الحوار الذي التزم به فخامة رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي ودعا إليه، مؤكدا أنه مفتوح لا يقصى منه أحد ولا يحظر فيه موضوع. غير أن هذا التعليق، مهما كانت مبرراته، يكشف عن هشاشة التوافقات الأولية، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية الفاعلين السياسيين للانخراط في مسار توافقي يخدم المصلحة الوطنية العليا.
يجب أن يفهم هذا التعثر كمرحلة مؤقتة قابلة للتجاوز، عبر إعادة ترتيب الأولويات والبدء بما يشكل أرضية مشتركة، في ظل التزام بالشفافية وتقديم تنازلات متبادلة تضع الوطن فوق كل اعتبار.
ومن زاوية أخرى، يطرح هذا التعثر إشكالية أعمق تتعلق ببنية المشهد الحزبي، إذ لم تعد كثرة الأحزاب مؤشرا على حيوية ديمقراطية حقيقية. فكثير منها يفتقر إلى برامج واضحة أو امتداد شعبي، مما يفضي إلى ممارسات انتهازية تجعلها أدوات لمصالح ضيقة بدل التعبير عن تطلعات المجتمع. والحاجة اليوم إلى فاعلين يتمتعون بالمصداقية والقدرة على التأثير.
إن الطيف السياسي مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى الارتفاع فوق الخلافات، فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد لا تحتمل مزيدا من الانقسام. كما أن الرأي العام ينتظر من النخب نموذجا في النضج وإدارة الاختلاف.
في الختام، تمثل المرحلة الراهنة منعطفا حاسما: فإما أن يتحول تعليق الحوار إلى نقطة انطلاق نحو تفاهمات أعمق قائمة على الثقة، وإما أن يكرس حالة من الجمود والانقسام. والرهان الحقيقي يبقى على وعي الفاعلين السياسيين وقدرتهم على تغليب المصلحة الوطنية.
-----
وزير سابق












