
تشهد العلاقات بين موريتانيا ومالي في الفترة الأخيرة حالة من التوتر المتصاعد، بسبب سلسلة من الحوادث التي وقعت على طول الحدود المشتركة بين البلدين، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية متنامية بين نواكشوط وباماكو.
ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تعاني منطقة الساحل من نشاط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات جهادية وحركات انفصالية، خصوصًا داخل مالي، بينما تُعد موريتانيا من الدول الأكثر استقرارًا في المنطقة وتستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفارين من النزاع.
حوادث حدودية متكررة
خلال الأسابيع الأخيرة، ازدادت حدة التوتر بعد تسجيل حوادث متعددة، من بينها وفاة مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية في ظروف متفرقة، إضافة إلى تبادل اتهامات بين الجانبين حول احتجاز جنود ماليين داخل موريتانيا، ما ساهم في تعقيد الوضع السياسي والأمني.
وفي منتصف شهر مارس، أعلنت السلطات المالية أن جنودًا كانوا محتجزين لدى جماعات مسلحة تمكنوا من الفرار ووصلوا إلى مخيم للاجئين داخل موريتانيا. لكن الحكومة الموريتانية رفضت هذه الرواية بشكل قاطع، واعتبرتها اتهامات غير دقيقة ومسيئة، وقامت باستدعاء السفير المالي للاحتجاج الرسمي.
وتستضيف موريتانيا مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من مالي بسبب النزاع المستمر بين الجيش المالي والجماعات المسلحة والحركات الانفصالية في شمال البلاد. في المقابل، تشير بعض المصادر الدبلوماسية في مالي إلى وجود اعتقاد داخل بعض الدوائر بأن الأراضي الموريتانية قد تُستخدم كقاعدة خلفية لبعض الجماعات المسلحة، وهو ما تنفيه نواكشوط بشكل تام.
كما سُجلت حوادث جديدة قُتل فيها مواطنون موريتانيون داخل مالي، ما دفع السلطات الموريتانية إلى التحذير من السفر إلى هناك، خصوصًا للرعاة الذين يعبرون الحدود بشكل موسمي بحثًا عن المراعي والمياه.
حدود مفتوحة يصعب ضبطها
تتهم موريتانيا بعض الجهات الأمنية والعسكرية في مالي بالوقوف وراء ما تصفه بـ"الاعتداءات المتكررة" ضد مواطنيها، بينما تؤكد مصادر عسكرية مالية أن عملياتها تستهدف مجموعات مسلحة تنشط داخل البلاد، وتنفي استهداف المدنيين.
وتُعد الحدود بين البلدين، الممتدة على مسافة شاسعة في الصحراء الكبرى، من أكثر الحدود صعوبة في الرقابة، حيث يعيش السكان حياة مترابطة ويتنقلون بحرية بين الجانبين لأسباب اقتصادية واجتماعية، خصوصًا الرعي والتجارة، ما يجعل الفصل بين الدولتين على الأرض أمرًا معقدًا.
ورغم تكرار هذه الحوادث في السنوات الماضية، فإنها كانت غالبًا ما تُعالج عبر القنوات الدبلوماسية، إلا أن الوضع الحالي يشهد مستوى أعلى من التوتر وانعدام الثقة بين الطرفين.
وتعود جذور هذا التوتر أيضًا إلى التغيرات السياسية في مالي منذ تولي المجلس العسكري السلطة عام 2020، إضافة إلى خلافات مستمرة حول الأمن والهجرة والتعامل مع الجماعات المسلحة عبر الحدود.
وفي السنوات الأخيرة، تبادلت الدولتان اتهامات متكررة بشأن خروقات أمنية على الحدود، بما في ذلك مزاعم بتوغلات عسكرية من الجانب المالي داخل الأراضي الموريتانية.
كما ساهمت قضايا الهجرة في زيادة التوتر، بعد تنفيذ موريتانيا حملات ترحيل لمهاجرين من دول غرب إفريقيا، من بينهم ماليون، وهو ما أثار انتقادات من بعض الأطراف الإقليمية.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، كانت نواكشوط قد أرسلت بعثة دبلوماسية إلى باماكو في وقت سابق لتهدئة الأوضاع وإعادة فتح قنوات الحوار.
ويؤكد مسؤولون من الجانبين استمرار التواصل الدبلوماسي رغم التوتر، في محاولة لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع.
ويرى خبراء في شؤون الساحل أن هذه التوترات، رغم حدتها، تبقى ظرفية، وأن البلدين لا خيار أمامهما سوى تعزيز التعاون الأمني، لأن مواجهة التهديدات في المنطقة تتطلب تنسيقًا مشتركًا ومستمرًا.
رابط المقال:
https://www.courrierinternational.com/depeche/vives-tensions-mauritanie-...













