
في يناير 1935، حقق الرحالة الفرنسي جان دامز إنجازا ميدانيا غير مسبوق في تاريخ استكشاف منطقة الحوض ، بوصوله إلى عيون العتروس على متن سيارة، ضمن المحطة السابعة من رحلته الرامية إلى فتح مسلك بري يربط بين النيجر والمغرب، و جاء هذا الإنجاز في إطار الجهود الاستكشافية والإدارية الرامية إلى تجاوز العوائق الطبيعية للصحراء الكبرى وإدماجها ضمن شبكات الاتصال الحديثة.
انطلقت هذه المرحلة من تمبدغه، بعد أن تخلّى دامز عن الحماية الرسمية التي اعتمد عليها في مراحل رحلته السابقة، معتمدا على عنصرين من حرس الدوائر من قدماء الرماة السنغاليين، أحدهما سبق له أن بلغ عيون العتروس، إضافة إلى دليل محلي، واجهت البعثة صعوبات جغرافية وميدانية كبيرة، شملت غياب طرق محددة، واعتماد التوجيه على البوصلة والخرائط غير الدقيقة، ولتجاوز هذه الإشكالات، استخدم دامز أسلوبا تقنيًا عمليا يقوم على قياس الزوايا بواسطة منقلة، وتحديد الاتجاه عبر معالم طبيعية ثابتة مع تكرار القياسات لتقليل الانحراف، ما يعكس الطابع التجريبي والعملي للرحلة.
خلال التقدم، مر الفريق بعدة آبار كانت نقاط تجمع للرعاة، حيث لاحظ أن وصول السيارة أثار الذعر بين السكان، الذين لم يسبق لهم رؤية مثل هذه الوسيلة الحديثة، ففرّوا في البداية قبل أن يعودوا تدريجيا بدافع الفضول، في مشهد يعكس أول احتكاك مباشر بين التقنية الحديثة والمجتمع البدوي في تلك المنطقة. ومع الاقتراب من عيون العتروس، ازدادت صعوبة المسالك بسبب الكثبان الرملية التي غطت المسار، واضطر الرحالة إلى السير بسرعة منخفضة لتفادي غرق السيارة، بينما برزت الحياة البرية بشكل مكثف مع اقتراب الغروب، مضفية على الرحلة طابعا من التحدي والمغامرة.
وعند الوصول، ظهرت عيون العتروس في هيئة كتلة صخرية مهيبة تشبه الحصن الطبيعي، مكونة من صفائح حجرية ضخمة تعلوها قباب صخرية، محاطة بسلسلة من الآبار التي تمثل مصدر الحياة في هذا المجال، وكان الموقع خاليا من السكان، إذ كانت القبائل قد غادرته مؤقتا، ما أضفى على المكان طابعا من السكون والرهبة.
أولا: البعد الاستراتيجي والاجتماعي لعيون العتروس
أثناء استكشافه للموقع، اكتشف دامز مقبرة بربرية واسعة تضم نحو مئة قبر مبنية من صفائح حجرية، ما يعكس عمق الحضور البشري في المنطقة وأهميتها عبر التاريخ، كما لاحظ وجود قبر أوروبي منفصل، ما أثار اهتمامه. وأوضح مرافقوه أن المنطقة كانت مسرحا لصراعات قبلية عنيفة حول السيطرة على الآبار، إذ سعت كل مجموعة إلى التحكم في هذا المورد الحيوي، ما يعكس البعد الاستراتيجي لعيون العتروس في المجال الصحراوي، و صادف الرحالة أيضا جثة حديثة لرجل مجهول لم تدفن، مؤشرا على استمرار مظاهر العنف أو الوفاة في ظروف معزولة داخل هذا الفضاء الصحراوي.
تجسد هذه المشاهد تداخلا واضحا بين البيئة الطبيعية، والتحديات الميدانية، والصراعات الاجتماعية، حيث أظهرت الرحلة كيف شكلت الموارد المائية محركا رئيسيا للنزاعات، وفي الوقت ذاته نقطة جذب للتجار والمستقرين الأوروبيين الذين اختاروا العمل بعيدا عن الأطر الرسمية.
ثانيا: تجربة التاجر الفرنسي ديبون:
يرتبط القبر الأوروبي المنفصل باسم فرنسي يُدعى ديبون، وهو تاجر اختار الإقامة في عيون العتروس قبل وصول دامز بعدة سنوات، يمثل ديبون نموذجا لوجود أوروبي فردي خارج الإطار الإداري والعسكري، إذ استقر بالقرب من الآبار مستفيدا من موقعها كنقطة عبور للقبائل، ومارس نشاطا تجاريا بسيطا تمثل في بيع السلع الأساسية المستوردة مثل الشاي والسكر والشموع.
تميز نشاط ديبون بالحياد، إذ تعامل مع مختلف الأطراف دون الانخراط في النزاعات القبلية القائمة، ما سمح له بالحفاظ على موقعه في بيئة صحراوية صعبة ومعقدة. وتشير الرواية التي نقلها دامز إلى أن وفاة ديبون كانت طبيعية، وقد دُفن في المكان وفق طقوس مسيحية، ما يفسر وجود قبره المنعزل عن المقبرة المحلية. وبقيت آثار كوخه قائمة عند مرور الرحالة، ما يعكس أثره المادي والنمطي في المنطقة، ويكشف عن إمكانية المبادرة الفردية والتجارة الصغيرة في قلب الصحراء خلال تلك الفترة.
ثالثا : البعد النفسي للتجربة تأملات دامز
لم تقتصر هذه المحطة على البعد الجغرافي، بل كشفت عن تأثير البيئة الصحراوية على نفسية الرحالة، حيث تولدت لدى دامز حالة من القلق والرهبة نتيجة العزلة، والمشاهد الجنائزية، وأصوات الحيوانات المفترسة، اضطر الرحالة إلى مغادرة الموقع ليلاً والابتعاد عنه، لكنه عاد في صباح اليوم التالي، حيث بدت صورة المكان أقل رهبة وأكثر قابلية للفهم والاستكشاف، ما يوضح تأثير البيئة الطبيعية على الإدراك النفسي والتجربة الميدانية.
في المجمل، يمثل وصول سيارة جان دامز إلى عيون العتروس محطة بارزة في تاريخ استكشاف المنطقة، إذ يعكس بداية إدخال الوسائل الميكانيكية إلى مجال ظل طويلا خاضعا لوسائل النقل التقليدية، كما يكشف عن تداخل التحديات الجغرافية، والاحتكاك الثقافي، والصراعات حول الموارد، وتجارب الوجود الفردي مثل تجربة ديبون، في سياق تحولات عميقة شهدها المجال الموريتاني خلال تلك الفترة.
المصدر:
صحيفة La Vigie Marocaine، السنة العشرون، العدد 8456، بتاريخ 12 فبراير 1935.













