من عام ”الشدة" 1942 إلى صدمات مضيق هرمز- ديدي ولد امحمد

لم يكن نقص الغذاء في موريتانيا وليد صدفة ولا نتيجة ظرف سياسي طاريء  بل هو مرض مزمن تشكل عبر مسار تاريخي طويل تداخلت فيه آثار الازمات العالمية وآثار الجفاف وهشاشة البنية الاقتصادية. هذا المسار لا يُفهم بسرد الوقائع فقط بل بقراءة منطقها العميق: كيف تتحول الأزمات العالمية  إلى كوارث إنسانية. مع بداية الحرب العالمية الثانية، لم تكن موريتانيا دولة بالمعنى الحديث بل مجالا خاضعا لإدارة استعمارية فرنسية، كانت أولويتها أنذاك دعم المجهود الحربي لا حماية السكان وفي تلك اللحظة الحرجة 1942 انقطعت الإمدادات واشتد الجفاف وتركت القبائل لتدبر أمرها في عزلة تامة لم تكن تلك المجاعة مناخية بحتة بل سياسية بامتياز لأن غياب التنظيم الإداري حول موجة جفاف ونقص الامداد إلى كارثة إنسانية، وهنا يتجلى الدرس الأول بوضوح قاسٍ: حين تغيب الدولة، يصبح الجفاف حكمًا بالإعدام البطيء.
هذا الإرث لم ينته مع الاستقلال بل انتقل بثقله إلى دولة ناشئة ورثت اقتصادا هشا قائما على الرعي والزراعة المطرية ومؤسسات ضعيفة غير قادرة على إدارة الأزمات دون مخزون استراتيجي أو بنية زراعية بديلة. لم يظهر هذا الخلل فورا، لكنه انفجر مع أول اختبار حقيقي أواخر الستينيات، حين بدأ الجفاف يتسع بين 1968 و1970، وكانت رهانات الدولة آنذاك مبنية على تدفق مساعدات خارجية خاصة من الولايات المتحدة غير أن التحولات السياسية بعد حرب 1967  على مصر أربكت تلك الحسابات وضيقت الخيارات. ومع تفاقم تلك الأزمة ومارافقها من توزيعات محانية  "لحيمرة" وُضع التموين في يد الجيش سنة 1973، واعتمدت الدولة على توزيعات غذائية مجانية وتوزيع بعض الابقار  في الاماكن الاقل ضررا سنة 1944  لكن هذه التدخلات ظلت محدودة الأثر على السكان خصوصا مع دخول البلاد في حرب الصحراء  ، ما زاد الضغط على الموارد وأفقد الإجراءات فعاليتها. بلغ الجفاف ذروته  1982 حيث نفق نحو نصف القطيع الوطني، وانهار الإنتاج الزراعي بشكل حاد وكانت الدولة موجودة لكنها عالجت  الأزمة  بأدوات ظرفية محدودة الزمان والمكان .
في تلك المرحلة مابين 1968_ 1982لم يعد الجفاف مجرد ظاهرة طبيعية، بل تحوّل إلى “مهندس ديموغرافي” أعاد تشكيل البلاد بالقوة، إذ اندفعت موجات بشرية واسعة نحو نواكشوط، حيث تحولت الخيام إلى أكواخ، والأكواخ إلى أحياء صفيح، ونشأ فقر حضري مزمن ما تزال آثاره ممتدة إلى اليوم. لم يكن المناخ وحده هو العنيف، بل غياب استراتيجية وطنية للتكيّف هو ما جعل الصدمة تتحول إلى تحوّل دائم في بنية المجتمع. وظل هذا النمط يتكرر' حيث جاء عام 2003 بجفاف اكبر أثرا على المناطق الزراعية والرعوية غير أن تدخل الدولة آنذاك ساهم في الحد من الخسائر خاصة في الثروة الحيوانية، وهو ما شكّل بداية وعي تدريجي بضرورة التدخل. أما جفاف 2018، فقد كان أخف وقعا لا لأن الطبيعة كانت أرحم بل لأن الدولة بدأت تتحرك ببرامج استعجالية، ودعم للإنتاج الزراعي، ودعم للمنمين ، مع توجه متزايد نحو الزراعة كخيار استراتيجي وهي مؤشرات إيجابية لكنها تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى اكتفاء ذاتي فعلي في الحبوب لأن الاعتماد على الخارج يظل رهينا بعوامل مركبة تتداخل فيها تقلبات الأسواق العالمية والأزمات السياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
هذا الاعتماد جعل موريتانيا تعيش عمليا على إيقاع السوق وقد تجلى ذلك بوضوح مع جائحة كوفيد-19 بين 2020 و2021، حيث تعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت الأسعار، وفقدت فئات واسعة مصادر دخلها، فتدخلت الدولة بالدعم والتوزيع، لكنه ظل تدخلا إسعافيا لا يعالج أصل المشكلة. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا 2023 لتضيف ضغطا جديدا ، حيث ارتفعت أسعار القمح والطاقة بشكل حاد، وكان التأثير تدريجيا لكنه عميق استنزف ميزانية الدولة وضيق هامش الحركة الاقتصادية. واليوم 2026  مع التوترات المرتبطة بـ مضيق هرمز، تدخل البلاد مرحلة جديدة من الضغط غير المباشر حيث ترتفع تكاليف النقل وتضطرب إمدادات الطاقة وتتقلب أسعار الغذاء فتنعكس هذه التطورات داخليا في شكل ارتفاع في أسعار المحروقات والغاز وزيادة في أسعار المواد الغذائية وضغط متزايد على ميزانية الدولة.
في مواجهة هذه الصدمات اتخذت الحكومة إجراءات متعددة شملت رفع أسعار الغاز المنزلي بنسبة 66%، والبنزين بنسبة 15%، والمازوت بنسبة 10%، وفرض حظر على تنقل المركبات ليلًا لترشيد الاستهلاك وتقليص النفقات العمومية وترشيد استهلاك الطاقة في المرافق وإطلاق حملات صارمة ضد تهريب المحروقات والمواد الأساسية إلى جانب إجراءات ذات طابع تضامني تمثلت في تخفيض رواتب كبار المسؤولين وتنازلات من رأس السلطة وزيادات في أجور بعض الموظفين وتحويلات نقدية للأسر الهشة. هذه الإجراءات رغم أهميتها تظل في جوهرها جهدا يذكر ويشكر من دولة تجاه مواطنيها في ظرف دولي معقد لكنها تبقى إجراءات ظرفية تخفف الصدمة ولا تمنع تكرارها لأن جوهر المشكلة لم يحسم بعد.
إن ما تكشفه هذه السردية لا يقتصر على تعاقب الأزمات بل يبرز الحاجة المتزايدة إلى بناء مناعة اقتصادية تمكن البلاد من امتصاص الصدمات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها. واليوم تقف موريتانيا أمام فرصة حقيقية حيث يلوح في الأفق تحول مهم مع تنامي الاهتمام بالزراعة والعمل المتواصل على تعزيز الإنتاج المحلي من الحبوب والخضروات إلى جانب ما تحمله آفاق الطاقة من إمكانات واعدة قد تسهم في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد الوطني.
هذه التحولات بما تتطلبه من استثمار وتخطيط وتدرج تعكس مسارا نحو تعزيز الاستقلالية الاقتصادية وتوسيع قاعدة الإنتاج. ومع تضافر الجهود وترشيد الموارد وتوجيهها بكفاءة، يصبح من الممكن ترسيخ دعائم أمن غذائي أكثر استقرارا، يخفف من أثر التقلبات الخارجية ويعزز قدرة البلاد على مواجهة التحديات في عالم سريع التغير لا ينتظر إلا من يملك القدرة على التكيّف وصناعة مستقبله بإمكاناته.