موريتانيا وملف الطاقة.. إخفاق وارتهان دائم للوبيات.. موقع الفكر

صورة من مدينة نواذيبو

وقع الفأس في الرأس بعد سنوات من الحديث عن التحولات الطاقوية البالغة الأهمية، وعن الهيدروجين الأخضر الذي سيحول موريتانيا إلى مصدر أساسي للطاقة بالنسبة لأجزاء هائلة من العالم، لتجد نواكشوط بعد ذلك نفسها مرغمة على إطفاء أضواء الشوارع والدخول المبكر في عتمة الأزمة الاقتصادية  التي تجتاح العالم جراء العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران وحماقات إيران وعدوانها الدائم على أهلنا في الخليج..

فجأة وجدت البلاد نفسها مرغمة على رفع سعر الوقود إلى 56.3  أوقية جديدة،  في العاصمة لترتفع معه أسعار كل الخدمات الأساسية، وهو ما يعني أن البلد يتجه إلى انكماش اقتصادي وإلى صعوبات مؤثرة على المواطنين الذين بدأوا مواجهة أزمة اقتصادية عميقة.

مصفاة نواذيبو.. الحلم الموؤود

بدأ التخطيط لاستقلال طاقوي في موريتانيا واسطة عقد السبعينات، حيث بدأ ضمن اتفاق مع الجزائر إنشاء مصفاة نواذيبو التي تم تمويلها بقرض بقيمة 100 مليون دولار، لتكون مرتكزا لتكرير البترول الممنوح مجانا من الجزائر، ولتؤسس لإدارة طاقوية نوعية وكفوءة.

ولم يتم الاستلام النهائي للمصفاة نتيجة خلل فني حال دون تشغيلها بعد اكتمال بنائها.

ولأن الأمور جرت خلافا  لما هو مخطط، فقد أنهت حرب الصحراء وتعارض المواقف بين الجزائر وموريتانيا الحلم وبخرت الأمل فركنت المصفاة في خانة الإهمال والنسيان، والجدل دائر على جدواها في الأصل وأهميتها والحاجة لها ابتداء.

الأكيد أن أموالا معتبرة صرفت عليها، والخلاف قائم بين من يراها خسارة لا قيمة لها و من يراها فرصة ضائعة ورغم مرور السنوات فإن الجدل حولها لم تطو صفحاته السوداء.

– وبسبب الخلل الفني، توصلت شركة سنيم المشرفة على المشروع وشركة فويست آلبين Voest Alpine النمساوية المعروفة إلى اتفاق بالتراضي، دفعت بموجبه فويست آلبين 20 مليون دولار كتعويض (20.120.270 دولار بالضبط) من دون اصلاح الخلل.

- وهكذا ظلت المصفاة خارج التشغيل حتى سنة 1982، حين بدأت موريتانيا محاولة تشغيلها مع إنشاء الشركة الموريتانية للصناعة والتكرير "سومير"، التي اقترضت 10 مليون دولار من بنك اللويدز البريطاني لإصلاح المصفاة وتشغيلها. كما اقامت شراكة مع شركة سوناطراك الجزائرية لتزويدها ب 20 ألف طن من البترول الخام وشكل ذلك اول مرة تتم فيها عملية تكرير تقوم بها المصفاة تكبدت خلالها شركة سومير خسائر كبيرة تم على إثرها إيقاف تجربة التكرير في العام 1983.

ستعود المحاولة لاحقا سنة 1985 باتفاق بين موريتانيا والجزائر لإعادة تأهيل المصفاة، وتجهيز ميناء بترولي تتولى إدارته شركته سونطراك الذراع النفطي للجزائر.

ولم يطل الأمر أيضا حيث أوقفت سونتراك عملها في المصفاة سنة 1999 بعد خسائر هائلة، لتنتهي بذلك قصة المصفاة التي تحولت إلى مخزن صدئ قبل أن تبحث الدولة الموريتانية عن قرض لتمويل تفكيك هذه التركة الثقيلة، لتكتب بذلك بذلك قصة حزينة عن مصير الحلم المؤود، وتتحول موريتانيا إلى استيراد حاجياتها من الوقود في تفاقم مستمر..

أداكس.. احتكار وأرباح وتحكم في القرار السيادي
يمكن القول أن شركة أداكس تمكنت من السيطرة على المحتوى الطاقوي في موريتانيا، وتمكنت بشكل قوي من إخضاع عدد كبير من كبار المسؤولين لسلطتها، حيث يشاع على نطاق واسع أن لأداكس سلطة قوية على قطاع الطاقة، والشك قائم عن يد نافذة في تعيين كبار المسؤولين في هذا الملف الأكثر أهمية  في حياة البلاد..

بدأت شركة أداكس تزويد موريتانيا بالوقود منذ العام 2016 ومع انتهاء عقدها في العام 2021 بدأ الوزير الأول السابق مسارا لتقييم الأداء، ومحاولة استعادة مستحقات الدولة الموريتانية على الشركة المذكورة، حيث تضمنت عقود الاتفاق بين موريتانيا وآدكس بنودا تسمح لموريتانيا بطلب التعويض عند التأخر، وذلك بنسبة تصل إلى 100 ضعف من قيمة الطلبية المتأخرة.

وخلال السنوات المنصرمة حصلت خلافات بين شركات موريتانية متعددة وشركة أداكس بسبب نوعيات من الوقود حيث أثرت  تلك الشحنات على المولدات المستخدمة من شركة سنيم وشركة صوملك، وبعد الفحص الدقيق تأكدت موريتانيا من عدم مطابقة هذه الشحنات للمعايير المطلوبة.

وقد انتهى الخلاف باستعادة شركة آداكس للحمولة البالغة وزنها 25.000 طن من الوقود، إضافة إلى تعويضها للحكومة الموريتانية 9 مليون دولار.

مرتكزات الإخفاق الطاقوي

يتأسس الإخفاق الطاقوي في موريتانيا على عدة مرتكزات أبرزها

  • الإخفاق في الاستفادة من مصفاة نواذيبو، بل وتحويلها من مكسب نوعي للدولة الموريتانية إلى خسارة متراكمة الأضرار..
  • عدم إنجاز أي مستودع كبير الحجم لتخزين الوقود في نواكشوط من أجل الاستفادة من فترات هبوط الأسعار في فترة الصيف دائما، وعرقلة الفرص المتعددة التي قدمها شركاء متعددون لموريتانيا في هذا الغرض.
  • تقييد المؤسسات العاملة في سوق استيراد الوقود، وفرض نظام صارم تشرف عليه اللجنة الوطنية للمحروقات، وهو ما أنتج نظام المورد الواحد، وقضى على التنافسية وضاعف أيضا المتاعب المالية على موريتانيا.
  • ضعف الاستفادة من الجار الجزائري الذي يمثل شريانا مهما للطاقة في موريتانيا، وتضييع فرص عديدة للشراكة الطاقوية مع هذا البلد.
  • إخفاق شركة أداكس وغيرها في إقامة المخازن الكبيرة التي وعدت بإنهائها قبل نهاية العام 2026، حيث ما زال عدد من هذه المنشآت في مرحلة متأخرة جدا.
  • الضعف الشديد في الاستفادة من البدائل الطاقوية المتاحة من الطاقة الشمسية والرياح، والهيدروجين الأخضر الذي كان يتوقع أن يدر مئات المليارات من الدولارات على الموريتانيين.
  • استتزاف دول الجوار للوقود الموريتاني الذي ظل لسنوات طويلة مصدرا أساسيا لدولة مالي وعدد من الدول الإفريقية الأخرى.. ويزداد الاستنزاف مع فشل الدولة المالية في الوقت الراهن.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  مع زيارة الدولة التي يقوم بها وفد حكومي موريتاني بشكل غير مسبوق بقيادة  الوزيرالأول للدولة الجزائرية يشرق الأمل في أن تتوج هذه الزيارة بشراكة مستدامة في مجال الطاقة توفر لموريتانيا احتياجاتها من المشتقات النفطية بأسعار تفضيلية لاتتأثر بهبوط وصعود اسعار النفط، بعيدا عن الاشتراطات السياسية فالبلدين عرب ومسلمون يجمعهما مستقبل واحد وكفاح مشترك، وألسنة اللهب ونذر عدم الاستقرار في جوارهما الإفريقي تؤكد حاجتهما لمزيد من التعاون والتكامل والاندماج فعالم اليوم لايرحم ولن يقف في وجهه إلا التكتلات القوية..                                                                                                                                      ولاشك أن الجزائر في السنوات الأخيرة  باتت مدركة للحاجة لموريتانيا أكثر من غيرها، فمن جهة تطمح الجزائر  للوصول للأسواق الإفريقية وتعتبرها فرصة مهمة لبيع سلعها، وموريتانيا من أفضل الطرق وأكثرها أمانا وحيوية، للولوج إلى هذه الدول وفي سبيل ذلك يسابق الربط الطرقي بين موريتانيا والجزائر الزمن ليتحقق ربط الشبكات الطرقية بشبه المنطقة.                                                                                                                                                       من جهة أخرى يلزم السلطة الموريتانية أن تأخذ زمام المبادرة بيدها وأن تعمل بجد على تأمين الطاقة لأسوء الظروف ولكل مدينة وقرية بطاقة استيعابية مناسبة وأن تستغل أوقات الوفرة والرخاء والتزود تحسبا لكل جديد، وأن لاتكل الأمر لشركة تنطلق من الرغبة في الربح وزيادة المكاسب المشروعة في حقها لكنها قد لاتكون الأمثل لوضعنا وحاجتنا، وحاضرنا ومستقبلنا ومن الحكمة "لقط شروط الشح في الرخاء"

ملحقات

وزارة البترول تقدم توضيحات حول مصفاة نواذيبو وشركة تكرير المحروقات “سومير”

بيان من وزارة الطاقة عن التسوية المبرمة مع شركة أداكس بشأن الخلافات الناشئة عن العقود(2016-2021)