نص كلمة الرئيس الفرنسي في الرد على رئيس الجمهورية

“شكرا لكم جميعا على حضوركم معنا اليوم،
فخامة الرئيس، الإخوة الأعزاء،
إنه لشرف لفرنسا أن تستقبلكم في باريس في إطار زيارة الدولة التي تبعث برسالة واضحة، رسالة صداقة وثقة في عالم يتغير بسرعة.
تأتي هذه الزيارة، وهي الأولى بهذا المستوى منذ أكثر من 30 عاما، في وقت أصبحت فيه مسؤولياتنا المشتركة أكبر من أي وقت مضى.
تُعدّ موريتانيا شريكا أساسيا لفرنسا، سواء بحكم موقعها الجغرافي عند تقاطع العالم العربي وإفريقيا، أو من خلال ميزاتها المتعددة والمتمثلة في الاستقرار والحوار والسيادة. كما يتجلى هذا الدور في موقعها ضمن منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات عميقة.
وفي هذا السياق، تُبرهن موريتانيا أنه في مواجهة هذه التحديات، يمكن اتباع مسار قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية. وأود هنا أن أشيد بكل تقدير، فخامة الرئيس، بجهودكم في هذا المجال. أمام الأزمات، وأمام الإرهاب، وأمام الاتجار غير المشروع والتأثيرات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف الدول، فإننا نختار معا نهج الشراكة، واحترام السيادة، والعمل المشترك لدعم جهود دول المنطقة وتجنب مزيد من زعزعة الاستقرار.
وفي عالم يشهد عودة منطق القوة وتنحصر فيه التعددية، تدافع موريتانيا وفرنسا عن مسار واضح، قائم على نظام دولي يرتكز على القواعد، والتعاون، والاحترام المتبادل، والتوازن.
تمتاز موريتانيا بمكانتها وصوتها المسموع في كل أنحاء إفريقيا، وفي العالم العربي، ومع أوروبا، وفي المحافل الدولية، لا سيما داخل الفضاء الفرنكوفوني. ونتقاسم مواقف قوية تجاه التحديات الكبرى المعاصرة: المناخ، وحماية المحيطات، والأمن الغذائي، إضافة إلى ضرورة إعادة التوازن للاقتصاد العالمي بما يمنح القارة الإفريقية مكانتها المستحقة.
كما أن هذه العلاقة الاستراتيجية ينبغي أن تُترجم إلى نتائج ملموسة، وهو ما يفسر تعزيز شراكتنا الاقتصادية. فموريتانيا اليوم بلد فرص، وشركاتنا حاضرة بالفعل، وتتيح فرص العمل وتستثمر في كل المجالات.
ومن بين هذه الشركات، شركة ميريديان التي استثمرت 155 مليون يورو في بناء محطة الحاويات بميناء نواكشوط، وتوظف قرابة 350 موريتانيا. كما تنشط نحو 40 شركة فرنسية توظف أكثر من 2000 موريتاني وموريتانية.
لكننا نطمح إلى المضي قدما بشكل أسرع وأكثر تنظيما، وهذا أيضا من أهداف هذه الزيارة.
في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والزراعة، ومدن المستقبل، تقع على عاتقنا مسؤوليات مشتركة، تتمثل في دعم تنمية اقتصاد مولّد لفرص العمل وقادر على تلبية تطلعات الشباب.
وفي هذا الإطار، يسعدني الإشارة إلى أن مشروعا تقوده شركة فرنسية، بفضل قرض ميسر من الخزينة الفرنسية، سيمكن من زيادة القدرة الإنتاجية بنسبة 50% لتزويد نواكشوط بالماء الصالح للشرب.
وفي نفس السياق، سيساهم تحويل 10 محطات حرارية إلى نظام هجين، بتمويل يقارب 40 مليون يورو، في بناء نظام كهربائي أكثر استدامة ومرونة.
وفي وقت يشهد فيه العالم تراجعا في الالتزام الدولي ونزعة نحو الانغلاق، اختارت فرنسا أيضا عدم التخلي عن التضامن. ففي حين أغلقت بعض الدول الشريكة وكالاتها للتعاون خلال العامين الماضيين، قمنا نحن بمضاعفة محفظة مشاريعنا، لا سيما عبر أنشطة الوكالة الفرنسية للتنمية. ويتجلّى هذا الالتزام بوضوح في دعم الجهود الكبيرة التي تبذلها السلطات الموريتانية لاستقبال أكثر من 300 ألف لاجئ في شرق البلاد.
وأودّ أن أعبّر لكم عن تقديري العميق لما يمثّله هذا العبء بالنسبة لبلدكم، وأن أحيّي في هذا السياق حسّكم العالي بالمسؤولية.
الرسالة واضحة: في مواجهة التحديات والاختلالات على المستويين الإقليمي والعالمي، فإن موريتانيا ليست وحدها، وستظل فرنسا إلى جانبها، من خلال شركاتها، وتمويلاتها، وأدواتها التنموية. وفي هذا الإطار يندرج أيضا منتدى الأعمال الذي ستشرفون على افتتاحه خلال الأيام المقبلة.
وأخيرا، سيادة الرئيس، فإن زيارتكم إلى بريست لمناقشة قضايا الاقتصاد الأزرق والأمن البحري، ولقاءنا المرتقب بعد أسابيع في نيروبي في إطار قمة “Africa Forward”، يعكسان طموحا أوسع يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين بلدينا، وبين فرنسا والقارة الإفريقية، على أسس جديدة. علاقة ترتكز على الاستثمار، والابتكار، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المجتمع المدني. علاقة تُدرك أبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بكل وضوح.
إن على عاتقنا مسؤولية تاريخية تقتضي ألا نكون مجرد متلقّين لتحولات العالم، بل فاعلين مؤثرين فيها. ويعتزم بلدانا الاضطلاع بهذه المسؤولية معًا. وخلال السنوات الماضية، تعزّزت معرفتنا المتبادلة وتوطدت أواصر الثقة بيننا.
لقد لمستُ عن قرب عزيمتكم في العمل، وشجاعتكم في مواجهة أصعب الظروف، ويسعدني، يا سيادة الرئيس، ويشرّفني أن أرحّب بكم اليوم في هذه الزيارة، برفقة السيدة الأولى، وأعضاء الحكومة، والوفد الكريم.
سيادة الرئيس، شكرا لثقتكم، وللصداقة التي تجمعكم بفرنسا، ولهذه الصفحة الجديدة التي نخطّها معًا. شكرًا جزيلًا، سيادة الرئيس.