الوطنية أولا أم المهنية أولا؟- محمد الأمين الفاضل

من المعروف أن هناك تداخلا بالغ التعقيد بين الشعبين الموريتاني والمالي، ومن مظاهر ذلك التعقيد أنك تجد على الحدود قرية داخل الأراضي المالية، سكانها موريتانيون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة الموريتانية، وتجد أيضا العكس، قرية داخل الأراضي الموريتانية، يسكنها ماليون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة المالية.
وتوجد محاضر رسمية موقعة من طرف البلدين تقضي ببقاء الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى القرى المالية التي يسكنها موريتانيون تحت السيطرة الموريتانية، والقرى الموريتانية التي يسكنها ماليون تحت السيطرة المالية، إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لهذا التداخل الحدودي البالغ التعقيد بين البلدين، والذي قد تكون فيه السيادة الجغرافية في بعض القرى تتبع لأحد البلدين، ويكون فيه السكان والخدمات المقدمة لهم تتبع للبلد الآخر.
في الماضي، لم يطرح هذا التداخل أي مشكلة للبلدين، ولكن في ظل التعقيدات الأمنية الحالية، أصبح هذا التداخل يطرح العديد من المشاكل والتحديات.
ومن تلك المشاكل تكرر دخول عناصر من الجيش المالي لقرى مالية، تقع على أراض مالية، ولكن سكانها موريتانيون والخدمات المقدمة فيها تقدمها مؤسسات موريتانية، سواء كانت تلك المؤسسات مدرسة أو مركزا صحيا أو هوائيا يتبع لشركة اتصالات موريتانية.
إن دخول عناصر من الجيش المالي لهذه القرى المالية التي يسكنها موريتانيون، وتغطية ذلك إعلاميا من طرف بعض المواقع والمدونين الموريتانيين على أنه اعتداء على السيادة الموريتانية، قد أعطى انطباعا لدى المواطنين الموريتانيين بأن الجيش الموريتاني تخلى عنهم، وأن النظام عاجز عن حمايتهم من تدخلات واعتداءات الجيش المالي المتكررة.
وفي محاولة لتصحيح ذلك الانطباع الخاطئ، ومن أجل طمأنة المواطنين على الحدود، جاءت كلمة والي ولاية الحوض الغربي التي قالها في اجتماع محلي مع بعض المواطنين، وتم تداول جملة من كلمة الوالي شكلت تهديدا للجارة مالي، تم تداولها بشكل واسع من طرف صحفيين ومدونين موريتانيين.
فهل كان الأولى نشر هذه الكلمة والتعليق عليها احتراما للمهنية التي تقتضي نشر كل ما يتلفظ به المسؤول من قول، أم أن حجبها وعدم تداولها إعلاميا كان أولى، باعتبار أن ذلك يحقق مصلحة عليا للبلد؟ 
إن من يرفع شعار المهنية أولا، سيعتبر أن نقل كلام الوالي بأمانة وموضوعية هو الأولى، دون أي اعتبار للسياق الذي كان يتحدث فيه، ودون النظر لما قد يترتب على ذلك النشر من تداعيات قد تضر بالبلد.
لقد تحدث الوالي في سياق تعبوي، أمام مجموعة من الموريتانيين يشعرون بعدم الاطمئنان، فأراد في ثنايا حديثه، أن يُوجه إليهم رسالة طمأنة داخلية، ولكن الإعلام الموريتاني أخرج حديث الوالي من الفضاء المحلي الضيق إلى فضاء واسع على الانترنت، وبذلك حوّل رسالة طمأنة داخلية أراد الوالي أن يوصلها إلى المواطنين الموريتانيين، إلى رسالة خارجية اعتبرها البعض رسالة تهديد لدولة جارة وشقيقة. 
من زاوية مهنية بحتة، فإن نقل ما قيل هو في الأصل عمل مشروع، ويمثل جوهر الرسالة الإعلامية، فالمعلومة حق للجميع، وحجب الحقائق أو إخفاؤها لم يعد مقبولا، والمجتمعات لا تتطور بحجب المعلومات وتقييد النشر، بل بالشفافية في نشر المعلومات، حتى تصل إلى الجميع. 
ومع ذلك، وحتى ولو غلبنا المهنية على الوطنية، فإن الرقابة الذاتية مطلوبة في كل الأوقات، ومطلوبة أكثر في فترات الأزمات والصراعات، فليس كل ما عُلم ينشر فورا، فالرقابة الذاتية تقتضي عدم نشر أي معلومة، حتى ولو كانت صحيحة، إذا ما كان نشرها قد يسبب ضررا جسيما للمجتمع يفوق بأضعاف قيمة نشر تلك المعلومة.
وهنا تحديد تكمن الإشكالية، فالمشكلة ليست في صحة ما نُشر، بل في أثره وتوقيته.
إن المدون في هذا العصر الرقمي لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلا ومؤثرا بما ينشر، ولذا فعليه أن يكون حذرا عند النشر في القضايا الحساسة التي ترتبط بالأمن القومي والعلاقات مع الدول، ويتأكد ذلك في أوقات الأزمات وتصاعد التوترات.
في اعتقادي الشخصي أن الوطنية يجب أن تأتي أولا قبل المهنية، ولو أن كلمة الوالي وصلتني دون غيري لما نشرتها أصلا، ولاكتفيتُ بتنبيهه بعيدا عن الإعلام على خطورة تلك الكلمة، وضرورة التحفظ مستقبلا، فالهواتف أصبحت اليوم توثق وتنشر كل ما يُقال في مثل هذه المجالس.
ويبقى السؤال الذي على كل واحد منا أن يجيب عليه، فالإجابة عليه هي التي ستحدد اتجاه بوصلتنا في التدوين والنشر: هل الهدف مما ننشر هو الإخبار فقط، أم الإخبار المسؤول؟
وهل نحن ندون وننشر بصفتنا مدونين فقط، ننقل كل ما يقع بين أيدينا من أخبار، وبغض النظر عما يمكن أن يترتب عليه، أم ندون بصفتنا مواطنين نزن ما ننشر على ميزان المصلحة العامة، قبل نشره؟
حفظ الله موريتانيا...