
تستعد العلاقات بين فرنسا وموريتانيا لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، في ظل زيارة رسمية قام بها الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني إلى باريس، وهي زيارة تُعد الأولى من نوعها منذ عقود لرئيس موريتاني بهذا المستوى، ما يعكس أهمية متجددة لهذه الشراكة في سياق إقليمي متغير.
تحولات استراتيجية في الساحل
تأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الأفريقي اضطرابات أمنية حادة وتراجعاً في نفوذ فرنسا لدى عدد من الدول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. في المقابل، تُبرز موريتانيا نفسها كشريك مختلف وموثوق لباريس، خصوصاً في مجال الأمن والاستقرار.
وقد حظي الرئيس الموريتاني باستقبال رسمي رفيع المستوى منذ وصوله إلى فرنسا، حيث استقبله وزير الخارجية، قبل أن يشارك في مراسم رسمية بقصر الإليزيه، تتبعها لقاءات ثنائية ومأدبة عشاء رسمية. كما تضمن برنامج الزيارة جانباً اقتصادياً وأمنياً، إضافة إلى زيارة إلى مدينة بريست الفرنسية، حيث يتم التركيز على قضايا الأمن البحري والهجرة.
وتُعد موريتانيا، التي تقع بين غرب أفريقيا والمغرب العربي ويبلغ عدد سكانها نحو 5.2 مليون نسمة، من الدول التي غالباً ما يُنظر إليها كنموذج نسبي للاستقرار في الساحل، إذ لم تشهد أراضيها أي هجمات إرهابية منذ عام 2011، بخلاف دول مجاورة تعاني من تصاعد نشاط الجماعات المسلحة.
شراكة أمنية واقتصادية
يرى خبراء في العلاقات الدولية أن موريتانيا اعتمدت مقاربة مختلفة في التعامل مع التهديدات الأمنية، إذ حافظت على سيادة واضحة في إدارة ملفها الأمني، مع استمرار تعاونها التقني مع فرنسا في مجالات التدريب وتبادل المعلومات، دون وجود قواعد عسكرية فرنسية على أراضيها.
كما تركزت المباحثات بين الجانبين على ملفات حساسة، من بينها مراقبة الحدود، وتزايد الضغط الناتج عن الهجرة غير النظامية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالوضع الأمني في مالي المجاورة، حيث تنشط جماعات مسلحة في المناطق الحدودية.
وفي الجانب الاقتصادي، تسعى نواكشوط إلى تعزيز استغلال مواردها الطبيعية، خصوصاً بعد بدء إنتاج الغاز البحري بالشراكة مع السنغال، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتعاون في مجال الطاقة. من جانبها، تُظهر فرنسا اهتماماً متزايداً بهذه الموارد، في إطار بحثها عن بدائل طاقية وتنويع مصادر الإمداد.
ورغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال محدوداً مقارنة بشركاء آخرين في أفريقيا، فإن العلاقات الاقتصادية تشمل مجالات متعددة مثل الطاقة المتجددة والبنية التحتية والخدمات.
وفي المجمل، يرى مراقبون أن هذه الزيارة تعكس توجهاً نحو بناء علاقة أكثر توازناً وهدوءاً بين البلدين، تقوم على التعاون العملي وتقبل الاختلافات في الرؤى، دون أن تؤثر على استمرارية الشراكة الاستراتيجية بين باريس ونواكشوط.
رابط المقال:
https://www.ifri.org/fr/presse-contenus-repris-sur-le-site/france-maurit...













