
كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في مقال تحليلي تناول التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الساحل، عن تفاصيل دقيقة تبرز الدور الحاسم والمفصلي الذي لعبته الدبلوماسية الجزائرية مؤخراً في التوسط لتسهيل انسحاب آمن ومنظم لعناصر “فيلق إفريقيا” الروسي من مناطق النزاع المشتعلة في شمال مالي.
وأوضحت الصحيفة الباريسية أن هذا التدخل الدبلوماسي الجزائري جاء استجابة لتعقيدات المشهد الميداني عقب الانهيار العسكري الملحوظ لجيش باماكو أمام زحف فصائل “جبهة تحرير أزواد”، حيث سارعت الجزائر إلى استغلال رصيدها وموثوقيتها وعلاقاتها الوثيقة مع الحركات التارقية لضمان إجلاء آمن للقوات شبه العسكرية الروسية المتمركزة في مدينة كيدال، مجنبة المنطقة انزلاقات أمنية دموية.
واعتبرت “لوموند”، في سياق قراءتها لهذا الاختراق الميداني، أن قدرة الجزائر على تأمين خروج الميليشيات الروسية من بؤرة التوتر، يمثل إعلاناً صريحاً عن فشل المقاربة العسكرية والخيارات الأحادية للمجلس العسكري المالي، ويعيد الدبلوماسية الجزائرية بقوة إلى واجهة الأحداث كـ “راعٍ إقليمي” لا غنى عنه في إدارة الأزمات المعقدة وهندسة التوازنات الكبرى بالمنطقة.
وأبرزت التحليلات ذاتها مساعي الجزائر الموازية لفرض رؤيتها الاستراتيجية ودحض أي سرديات مغرضة، مشيرة إلى الموقف الصارم الذي عبر عنه وزير الخارجية أحمد عطاف برفض كافة أشكال الإرهاب، ومؤكدة تمسك الجزائر بـ “خط أحمر مزدوج” يمنع تشكيل بؤر إرهابية في باماكو ويرفض في الوقت نفسه أي مشاريع انفصالية من شأنها المساس بالوحدة الترابية لدولة مالي.
وخلصت الصحيفة الفرنسية إلى أن هذا النجاح في إدارة ملف انسحاب عناصر “فيلق إفريقيا” وحل العقدة المالية، قد تُرجم سريعاً إلى زخم دبلوماسي لافت تشهده العاصمة الجزائرية عبر التوافد المتتالي لقادة دول الجوار، على غرار الرئيس التشادي ونظيره النيجري، ما يؤكد التكريس الفعلي لعودة الجزائر كحجر زاوية وصمام أمان لاستقرار الساحل الإفريقي برمته.












