
مالي بين اهتزاز الدولة وتشابك المصالح الإقليمية: إلى أين تتجه باماكو؟
لم تعد الأزمة في مالي مجرد تمرد مسلح في الشمال، ولا مجرد مواجهة أمنية بين سلطة مركزية وجماعات متطرفة، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها رهانات الداخل مع حسابات الإقليم والقوى الدولية، في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة وحساسية.
فما تشهده مالي اليوم لا يمكن اختزاله في المواجهات المسلحة والتحركات الميدانية وحدها، بل هو انعكاس لأزمة عميقة تعيشها دول الساحل منذ مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث تتداخل إشكالات بناء الدولة والهوية مع صراعات النفوذ والثروات، في ظل فراغ استراتيجي جعل المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، كلٌّ يسعى إليها وفق حساباته ومصالحه الخاصة.
لقد مثّل اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا نقطة تحول خطيرة في المشهد. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول أمني، بل كان العقل المدبر للتحالف مع روسيا، وأحد أبرز صانعي الانقلابات العسكرية التي أعادت تشكيل السلطة في باماكو منذ عام 2020. ولذلك فإن مقتله داخل أكثر المناطق تحصينا، في معسكر “كاتي”، يحمل رسالة تتجاوز شخصه إلى هشاشة المنظومة العسكرية نفسها.
وفي موازاة ذلك، فإن عودة كيدال إلى سيطرة الحركات الأزوادية، واتساع نطاق الهجمات التي تنفذها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، يعكسان بوضوح أن الدولة المالية، رغم سنوات الحرب والتحالفات الخارجية، لم تنجح بعد في بسط سيطرة فعلية ومستقرة على كامل ترابها الوطني.
كما أن ما يُعرف بالملف الأزوادِي ليس مجرد تمرد عابر يمكن حسمه بالمقاربة الأمنية وحدها، بل هو أزمة ضاربة الجذور في تاريخ الدولة المالية الحديثة، ترتبط بشعور قطاعات واسعة من سكان الشمال بالتهميش السياسي والتنموي، وبإخفاق الحكومات المتعاقبة في بناء صيغة عادلة تستوعب خصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية والجغرافية. ولذلك فإن أي معالجة جادة للأزمة في مالي لن تكون ممكنة دون مقاربة ناضجة ومنصفة تعترف بحقوق أهل أزواد، وتحفظ في الوقت نفسه وحدة الدولة واستقرارها.
غير أن الأزمة لم تعد شأنا ماليا داخليا فحسب، إذ تحولت مالي اليوم إلى نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية ودولية متنافسة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ والثروة وإعادة تشكيل موازين القوة في منطقة الساحل بأكملها
فالجزائر، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن القومي، تظل اللاعب الإقليمي الأكثر التصاقاً بالملف المالي. فمنذ اتفاق الجزائر سنة 2015، ظلت الجزائر تنظر إلى استقرار شمال مالي باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها الداخلي، خصوصا في ظل طول الحدود وتشابك القبائل والطوارق عبر المجال الصحراوي.
غير أن العلاقة بينها وبين سلطة باماكو شهدت مؤخراً توتراً متصاعداً، بعد اتهامات من أوساط مقربة من نظام غويتا للجزائر بالتساهل مع بعض الحركات الأزوادية، وهو ما تنفيه الجزائر مؤكدة تمسكها بوحدة مالي. ويبدو أن هذا التوتر يعكس اختلافاً في المقاربات بين رؤية جزائرية تميل إلى الحلول السياسية، ومقاربة عسكرية تتبناها السلطة الحالية في باماكو.
أما فرنسا، التي كانت لعقود اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرا في مالي، فقد وجدت نفسها أمام تراجع غير مسبوق لنفوذها. فعملية “برخان”، التي قُدمت باعتبارها حربا ضد الإرهاب، انتهت عمليا إلى نتائج عكسية في نظر قطاعات واسعة من الماليين، الذين رأوا أن الوجود الفرنسي الطويل لم يجلب الاستقرار، بل زاد من تعقيد الأزمة وأنتج شعورا متصاعدا بالإهانة السيادية.
لكن خروج فرنسا العسكري من مالي لا يعني أن باريس فقدت اهتمامها بالبلاد أو بالمنطقة. فمالي بالنسبة لفرنسا ليست مجرد مستعمرة سابقة، بل جزء من فضاء استراتيجي يرتبط بالأمن الأوروبي، والهجرة، والموارد الطبيعية، وموازين النفوذ في غرب إفريقيا. ولذلك فإن باريس تراقب بقلق شديد تمدد الروس، واحتمال انهيار الدولة المالية، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية واسعة.
وفي خلفية هذا المشهد المعقد، تتحرك قوى إقليمية ودولية بأجندات متشابكة، تختلط فيها الحسابات الاقتصادية بالمقاربات الأمنية والسياسية غير الواضحة أحياناً؛ فهي تعادي بعض الحركات الإسلامية السياسية في سياق، ثم تنخرط في دعم أو توظيف جماعات مسلحة في سياقات أخرى، وفق منطق المصالح لا المبادئ.
وتنظر هذه القوى إلى منطقة الساحل بوصفها فضاء غنيا بالثروات الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب والمعادن النادرة، ولذلك يبدو أن هاجسها الأساسي ليس الحفاظ على استقرار الدول ووحدتها، بقدر ما هو ضمان النفوذ والسيطرة على مناطق الثروة، حتى وإن تم ذلك داخل بيئات مضطربة ومفتوحة على الاحتراب والانقسام، كما حدث ويحدث في نماذج عربية وإفريقية عديدة مثل السودان وليبيا واليمن.
وسط هذا المشهد المعقد، تبرز موريتانيا بوصفها أحد أكثر الأطراف الإقليمية اتزانا وهدوءا.
فموريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية والاجتماعية العميقة مع مالي، تدرك أن استقرار الجار الشرقي ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة أمنية واستراتيجية. ولهذا انتهجت نواكشوط، خصوصا في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، سياسة تقوم على التهدئة وضبط النفس، رغم ما صدر أحيانا من تصريحات أو مواقف وتصرفات مستفزة من بعض أوساط السلطة العسكرية في باماكو.
وقد بدا واضحا أن القيادة الموريتانية رفضت الانجرار إلى أي مواجهة إعلامية أو عسكرية، إدراكا منها لحساسية المرحلة وخطورة تحويل التوترات العابرة إلى صدام بين شعبين تجمعهما روابط الدم والدين والتاريخ والجغرافيا.
وهذا الموقف يعكس قدرا كبيرا من الحكمة السياسية؛ لأن الدول لا تُقاد بردود الأفعال، بل بحسابات المصالح البعيدة. وقد أثبتت التجربة أن التعقل الذي أبدته موريتانيا جنّب المنطقة منزلقات خطيرة كان يمكن أن تخدم الجماعات المسلحة أكثر مما تخدم الدول.
بل إن موريتانيا تملك اليوم من عناصر الاتزان والقبول ما يؤهلها للقيام بأدوار إيجابية ومؤثرة في الأزمة المالية، سواء مع السلطة الحالية بقيادة العقيد آسيمي غويتا أو مع أي سلطة قد تفرزها التحولات المقبلة. فهي حافظت، رغم تعقيدات المشهد، على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، كما راكمت خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في الجوانب الأمنية والفكرية المرتبطة بمواجهة التطرف ومعالجة تداعياته.
ويزداد هذا الدور أهمية إذا استحضرنا عمق الروابط الإنسانية والثقافية بين الشعبين. وأقول ذلك أيضا من واقع تجربة شخصية؛ فقد أتيحت لي خلال سنوات الدراسة في جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم فرصة الاحتكاك المباشر والتعايش لسنوات مع عدد كبير من الإخوة الماليين، فوجدت فيهم طيبة ظاهرة وروحا متسامحة وحرصا صادقا على التعايش والسلم الاجتماعي، كما لمست لديهم تعلقا عميقا بالثقافة العربية والإسلامية، وتقديرا كبيرا لموريتانيا ولمكانتها العلمية والدينية في فضاء غرب إفريقيا.
ومن هنا، فإن ما يجمع موريتانيا ومالي أكبر بكثير من الخلافات السياسية العابرة أو التوترات الظرفية؛ إنها وشائج تاريخ وجوار ودين ومصير مشترك، وهو ما يقتضي تغليب الحكمة والعقل، والعمل على حماية هذه العلاقة من خطابات التشنج والانفعال، واستثمارها بدلا من ذلك في خدمة الاستقرار والتقارب بين البلدين
ومن هنا تبرز أهمية المبادرات الأهلية والعلمائية والاجتماعية في البلدين. ففي مثل هذه الأزمات المركبة، تستطيع جهود العلماء والأئمة والوجهاء والفاعلين الأهليين أن تؤدي دورا بالغ الأهمية في تهدئة النفوس، ومنع أي احتكاك سلبي بين الشعبين الشقيقين.
فالخطاب الديني الرشيد، حين يقترن بالحكمة الاجتماعية، قادر على تحصين المجتمعات من دعايات التحريض والتخوين، خصوصا في بيئة هشة تتغذى فيها الصراعات المسلحة على الانقسامات العرقية والقبلية والإثنية.
كما أن الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشعبين يجب أن تُستثمر بوصفها جسورا للتقارب لا نقاطا للتوتر. فالتاريخ أثبت أن الشعوب المتجاورة، مهما اختلفت الأنظمة السياسية، تبقى أكثر حاجة إلى التعاون من الصدام، وإلى بناء المصالح المشتركة بدل توسيع دوائر العداء.
إن مالي تقف اليوم أمام منعطف شديد الحساسية:
فإما أن تنجح في الانتقال من منطق القوة المجردة إلى منطق التسوية الوطنية الشاملة، وإما أن تستمر دوامة الانقلابات والحروب والتحالفات الخارجية، بما قد يدفع البلاد ــ وربما المنطقة كلها ــ نحو مزيد من التشظي والفوضى.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو الحاجة ملحة إلى أصوات العقل والحكمة، وإلى مقاربات تعطي الأولوية لحفظ الدولة والمجتمع، بدل تحويل الساحل إلى ساحة صراع دائم بين المشاريع المتنافسة والقوى المتصارعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وباحث مهتم بالشأن العام المحلي والإقليمي













