السنغال وموريتانيا: الذهب الأزرق لحقل آحميم الكبير، بين وعود الثروة والتداعيات البيئية

قبالة سواحل السنغال وموريتانيا، يتشكل إنجاز صناعي يفوق كل التوقعات.

لم يكتفِ مشروع تورتو أحميم الكبير للغاز بتحقيق أهدافه الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال للربع الأول من عام 2026، بل تجاوزها بكثير، ليصل إلى 2.85 مليون طن سنويًا، متجاوزًا الهدف الأولي البالغ 2.7 مليون طن سنويًا. يبشر هذا النجاح الباهر بعوائد اقتصادية غير مسبوقة، ولكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلًا جوهريًا: ما هو ثمن استخراج هذا "الذهب الأزرق"؟

هذا التجاوز المذهل، الذي ساهمت فيه جزئيًا الظروف المناخية الأكثر برودة التي حسّنت عملية التسييل، يضع السنغال وموريتانيا في موقعين صاعدين وفاعلين رئيسيين في سوق الغاز العالمي. إنه نجاح تقني واستراتيجي، إذا ما أُدير بشكل سليم، يُمكن أن يُعيد رسم ملامح المستقبل الاقتصادي لهاتين الدولتين الواقعتين في غرب إفريقيا.
بزوغ مركز إقليمي للغاز
يُعدّ مشروع حقل الغاز في تورنتو (GTA) ثمرة تعاون استراتيجي بين دكار ونواكشوط، وتتولى تشغيله شركة بي بي العملاقة، بالشراكة مع شركة كوسموس إنرجي، وشركة البترول السنغالية (بتروسين)، والشركة الموريتانية للحقول (SMH). ويمثل هذا المجمع البحري، الواقع على بُعد 120 كيلومترًا من الشاطئ وعلى أعماق تصل إلى 2850 مترًا، أحد أكثر المشاريع طموحًا في أفريقيا. وقد حقق المشروع إنجازات رئيسية بوتيرة مذهلة: بدء إنتاج الغاز في نهاية عام 2024، وبدء إنتاج الغاز الطبيعي المسال في فبراير 2025، وتصدير أول شحنة في أبريل 2025. وقد وضعت هذه الإنجازات السنغال وموريتانيا رسميًا ضمن نخبة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال.

وتهدف المرحلة الأولى من المشروع إلى نقل الغاز من نظام تحت سطح البحر في المياه العميقة إلى سفينة عائمة للإنتاج والتخزين والتفريغ (FPSO). تقوم وحدة الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO) بمعالجة الغاز قبل إرساله عبر خط أنابيب إلى وحدة جيمي العائمة للغاز الطبيعي المسال، ويحمي المجمع بأكمله حاجز أمواج يعمل أيضاً كمحطة للغاز الطبيعي المسال. تُجسّد هذه البنية التحتية الضخمة التزام الشركاء بالاستغلال الأمثل لاحتياطيات الغاز التي تُقدّر بنحو 15 إلى 25 تريليون قدم مكعب، مما يضمن استمرار الإنتاج لمدة تتراوح بين 30 و50 عاماً.
ما وراء الأرقام: تحوّل اقتصادي ذو حدين

يُعدّ الأثر الاقتصادي لهذا الفائض من الغاز هائلاً. يتوقع البنك الدولي أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي لموريتانيا إلى 7.6% في الفترة 2025-2026، وأن يقترب في السنغال من 10.2% في عام 2025، مدفوعاً بقطاع الهيدروكربونات.

وراء هذه الإحصائيات المذهلة، تكمن آلاف الوظائف المحلية التي تم توفيرها - أكثر من 3.000 وظيفة حتى الآن - ومشاركة مئات الشركات الوطنية (حوالي 300 شركة). إنه وعد بالازدهار، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز أمن الطاقة، حيث تسعى السنغال إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من واردات الغاز بحلول عام 2026، واستبدال الإمدادات المكلفة بإنتاج الكهرباء محلياً. لكن بينما يُوفر هذا الاعتماد المتزايد على الهيدروكربونات دفعةً فورية، ألا يُعرّض هذه الاقتصادات لخطر تقلبات الأسعار العالمية ويُؤخر تحولًا حيويًا في قطاع الطاقة؟

مع ذلك، تُخفي هذه النشوة الاقتصادية واقعًا مُظلمًا بالنسبة للبعض. فمجتمعات الصيد في سانت لويس، السنغال، أول ضحايا هذا التوسع الصناعي الهائل، ترى نمط حياتها التقليدي مُهددًا. إن إنشاء منطقة حظر بحري، وتدمير الشعاب المرجانية الطبيعية، والآثار البيئية التي لم تُقاس بالكامل بعد، تُلحق ضررًا بالغًا بمعيشتهم. الضوضاء الصادرة من المنصات، وازدياد حركة الملاحة البحرية، والتلوث المُحتمل: كلها تهديدات تُخيّم على نظام بيئي هش وآلاف العائلات التي يعتمد بقاؤها بشكل مباشر على المحيط. تُجرى مناقشات للتخفيف من هذه الآثار وضمان التنمية المُستدامة، لكن الحاجة المُلحة واضحة لهذه المجتمعات.

ظهور السنغال وموريتانيا كمصدرين رئيسيين للغاز الطبيعي المسال يعيد رسم خريطة الطاقة في غرب إفريقيا. هذا الأمر يجذب أنظار القوى الكبرى والمستثمرين الدوليين، ويعزز الموقع الاستراتيجي لهاتين الدولتين.

موريتانيا، على وجه الخصوص، تحلم بأن تصبح مركزاً إقليمياً للغاز. لكن هذه الثروة الجديدة قد تثير أيضاً الأطماع، وتعقد التوازنات الجيوسياسية، وتضع الحوكمة المحلية على المحك. الشفافية في إدارة عائدات الغاز والقدرة على إعادة استثمار هذه الأموال بطريقة مستدامة ستكونان الاختبار الحقيقي لهذه الحقبة الجديدة. في سياق عالمي يتسم بطلب قوي على الطاقة وسعي لتنويع الإمدادات، توقيت هذا النجاح ليس عشوائياً، فهو يتيح فرصة فريدة لكنه يطرح أيضاً تحديات غير مسبوقة.

مع احتياطيات تقدر بـ 30 إلى 50 عاماً، يعد مشروع GTA بلا شك محركاً للتحول في السنغال وموريتانيا. فهو يَعِد بعقود من العائدات واستقلال طاقوي مفيد. لكن تاريخ الموارد الطبيعية في إفريقيا غالباً ما يكون تاريخ مفارقات، حيث لا تترجم ثروة باطن الأرض دائماً إلى تنمية عادلة ومستدامة للجميع. السؤال لم يعد هل سيتم إنتاج الغاز، بل كيف ستُقسم فوائده وتُدار مخاطره. المستقبل وحده سيخبرنا ما إذا كان هذا "الذهب الأزرق" سيكون نعمة مشتركة أم مصدراً لتوترات جديدة.  

يبقى السؤال مطروحا: هل سيفيد هذا "الذهب الأزرق" حقاً جميع المواطنين، أم أنه سيعمق فجوات جديدة في عدم المساواة؟

المصدر

https://maliactu.net/senegal-mauritanie-l-or-bleu-du-gta-entre-promesses...