
لم يعد الخطاب الشرائحي في موريتانيا مجرد ظاهرة هامشية مرتبطة ببعض السجالات السياسية العابرة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر التحديات حساسية وتأثيرا على السلم الأهلي ووحدة المجتمع. فمع تصاعد التوظيف السياسي للانتماءات الفئوية والعرقية والطبقية، بدأت تتشكل حالة من الاستقطاب تهدد فكرة الدولة الجامعة، وتدفع بالمجتمع نحو مسارات من الشك والانقسام لا تخدم الاستقرار ولا التنمية.
وقد ساهمت عوامل سياسية وإعلامية واجتماعية متعددة في تغذية هذا الخطاب، حتى أصبح حاضرا بقوة في النقاش العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت بعض القضايا الاجتماعية والحقوقية إلى ساحات للتجاذب والتعبئة والصراع، بدل أن تكون مدخلا للإصلاح الهادئ والمعالجة الوطنية الجامعة.
لقد استغل بعض السياسيين والحقوقيين هذا الملف من أجل كسب الأنصار وحشد الأصوات وإثارة العواطف، عبر خطاب يقوم على الحمية العصبية وإحياء مشاعر المظلومية أو التخويف والكراهية، بدل التنافس على البرامج والرؤى التنموية والإصلاحية. ومع مرور الوقت نشأت حالة من التخادم غير المعلن بين بعض أصحاب هذا الخطاب وبعض الأنظمة الفاسدة، حيث استخدمت تلك الأنظمة هذه الأصوات لتخويف جزء من المجتمع وإضعاف المعارضة التقليدية وإشغال الرأي العام بالصراعات الجانبية، بينما استفاد أصحاب الخطاب الشرائحي من الحضور الإعلامي والسياسي ومن استجلاب الدعم الخارجي والمساعدات الدولية تحت عناوين حقوقية وإنسانية.
ثم تطور الأمر تدريجيا حتى بدأ هذا الخطاب يخرج عن السيطرة، وظهرت له انعكاسات خطيرة على حياة المواطنين وعلى طبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وما وفرته من منصات مفتوحة لبث التحريض والتعبئة والانقسام. وقد ازدادت خطورة الظاهرة خلال فترة النظام السابق، حيث يرى كثير من المتابعين أن السلطة آنذاك استثمرت ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ في إذكاء بعض الخطابات المتطرفة من أجل إضعاف خصومها السياسيين التقليديين، خاصة الأقطاب غير المتحكم فيها، وفي إطار الخشية من انتقال عدوى ثورات الربيع العربي إلى موريتانيا.
وفي خضم تلك المرحلة ظهرت حادثة إحراق الكتب الفقهية التي ارتكبتها حركة إيرا بقيادة بيرام الداه اعبيد، والتي شكلت منعطفا خطيرا في مسار الخطاب الشرائحي، لما حملته من استفزاز للمجتمع المحافظ وما نتج عنها من حالة استقطاب حادة. وفي المقابل ظهر النظام آنذاك في صورة المدافع عن الشريعة وحامي الاستقرار، بينما ظلت تتردد لاحقا أحاديث سياسية وإعلامية عن وجود نوع من التنسيق الخفي أو الاستفادة المتبادلة بين الطرفين، وإن ظل ذلك في دائرة التقديرات السياسية غير المثبتة قضائيا.
ومن المؤسف أن كثيرا من النخب السياسية والثقافية وقعت في فخ المجاملة المفرطة أو ما يمكن وصفه بالنفاق السياسي، فلم تواجه الخطابات المتطرفة بالحزم المطلوب، بل تعاطف بعضهم مع أصحابها ظالمين أو مظلومين، خوفا من خسارة الشعبية أو من حملات التشويه الإعلامي، وهو ما ساهم في استفحال الظاهرة وغياب المواقف الوطنية الصريحة الرافضة للتطرف مهما كان مصدره.
ومع ضرورة الاعتراف بوجود مظالم اجتماعية وتاريخية حقيقية، فإن هذه المظلوميات لا تتحملها فئة بعينها، ولا يجوز تحميل شريحة اجتماعية محددة مسؤولية أخطاء تراكمت عبر قرون من التاريخ وتعاقبت عليها أجيال ودول ومجتمعات. فكثير من هذه الإشكالات يمثل إرثا اجتماعيا معقدا عرفته أمم وشعوب متعددة، وقد سبق نشوء الدولة الحديثة، وليس من العدل ولا الحكمة أن يُحاكم الحاضرون بجرائر السابقين، فالله تعالى يقول:
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
ومن ثم فإن من يحاول اليوم اتهام فئة اجتماعية بعينها أو تحميلها المسؤولية الجماعية عن أوضاع قائمة في ظل الدولة الحديثة، فإنه يخطئ من جهة الشرع والعقل والسياسة، ويساهم في تعقيد الأزمة وتأجيج الأحقاد. فالدولة بمؤسساتها وأجهزتها هي الجهة المسؤولة عن معالجة الاختلالات الاجتماعية وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وهي التي يقع عليها واجب قيادة المجتمع نحو الحلول الهادئة والعادلة الجامعة.
كما أن المظلومية ـ مهما كانت عدالتها ـ تفقد جزءا كبيرا من مصداقيتها حين يتبناها المتطرفون أو يستغلها تجار السياسة والابتزاز والشعارات المفلسة. وهذا أمر مشاهد ومتكرر في تجارب كثيرة عبر العالم، حيث تحولت بعض القضايا العادلة إلى أدوات للاستقطاب والكسب الشخصي بدل أن تكون جسورا للإصلاح والإنصاف.
ولا شك أن السياسيين والحقوقيين الذين يبتزون الدولة والمجتمع عبر الخطاب العنصري والشرائحي ينبغي أن يتم التعامل معهم بحزم وجدية، دون خضوع للابتزاز أو تساهل يهدد السلم الأهلي. لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون هذا التعامل منضبطا بالحكمة والعدل، بعيدا عن الإفراط أو الانتقام أو التوظيف السياسي، مع ترك الباب مفتوحا للمراجعة والتراجع والتوبة الفكرية، حتى يفهم الجميع أن الهدف ليس استهداف أشخاص أو شرائح بعينها، وإنما حماية الوطن والمجتمع من خطاب خطير قد يقود إلى تمزيق النسيج الاجتماعي إذا تُرك دون مواجهة.
وفي مقابل الخطابات القائمة على التأزيم والانقسام، برزت كذلك مبادرات مجتمعية اتجهت نحو تعزيز قيم التكافل والاندماج الاجتماعي، ومن أبرزها ما اضطلع به الإسلاميون في موريتانيا من أدوار في مجالات التعليم والدعوة والإغاثة والعمل الاجتماعي، عبر شبكة من المعاهد القرآنية والجمعيات الخيرية والمؤسسات التوعوية التي نشطت خلال العقود الماضية في مختلف مناطق البلاد.













