
في خضم الجدل الذي شهدته موريتانيا خلال الأسابيع الأخيرة حول أنشطة مجموعة أداكس أنيرجي Addax Energy (شركة عالمية متخصصة في توريد وتداول المنتجات النفطية)، تتصاعد الدعوات إلى التمييز بين المعطيات التقنية المرتبطة بصفقات توريد الوقود، وبين الروايات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي ساهمت في تغذية نقاش عام قائم في جزء كبير منه على معلومات غير مكتملة أو خارج سياقها الفني.
وقد انتشرت خلال الفترة الأخيرة تسجيلات صوتية ومزاعم بشأن جودة شحنات الوقود الموردة إلى البلاد، الأمر الذي أعاد فتح ملف معقد يرتبط بآليات التوريد والمعايير التقنية المعتمدة، قبل أن تشير معطيات مهنية إلى وجود خلط واضح بين “المطابقة التعاقدية” و”الإشكالات التشغيلية” التي تظهر أحياناً عند الاستخدام الفعلي.
ما حقيقة ملف الوقود؟
تتمحور أبرز نقاط الجدل حول شحنة وقود قيل إنها “غير مطابقة للمواصفات”، غير أن طبيعة العقود في هذا القطاع تشير إلى أن تحديد الخصائص الفنية يتم مسبقاً من طرف الدولة المستوردة، بينما يلتزم المورد بالمعايير المنصوص عليها في دفتر الشروط.
وبحسب المعطيات التقنية المتداولة حول الملف، فإن الشحنة المعنية خضعت لعمليات فحص دقيقة في مرحلتي الشحن والتفريغ، وكانت مطابقة للمواصفات المعتمدة وقتها. إلا أن الاستخدام العملي لاحقاً كشف عن عنصر تقني لم يكن مدرجاً ضمن الإطار التنظيمي الوطني آنذاك، ما أدى إلى تسجيل بعض الإشكالات في الأداء لدى عدد من المعدات.
ومع تطور المعطيات، تم التأكيد على أن المسألة لا ترتبط بحالة غش تجاري أو إخلال بالعقد، بل بتباين بين المواصفات المعتمدة لحظة التعاقد والمتطلبات التقنية التي ظهرت لاحقاً مع الاستخدام، قبل أن يتم تعديل تلك المواصفات لتفادي تكرار الإشكال.
وفي سياق معالجة الوضع، قامت Addax باسترجاع واستبدال الشحنة المعنية، في عملية كلفتها نحو 25 مليون دولار، وهو ما اعتُبر مؤشراً على التزام الشركة بمسؤولياتها التعاقدية، خاصة في ظل حساسية قطاع الطاقة وتعقيداته الفنية.
جدل حول الأسعار وآليات المنافسة
بالتوازي مع هذا الملف، برزت أيضاً نقاشات حول طبيعة حضور الشركة في السوق الموريتانية، حيث وُجهت إليها اتهامات بالاحتكار، غير أن آلية التوريد المعتمدة منذ عام 2002 تقوم على نظام مناقصات دولية دورية، تُحدد فيها الدولة المواصفات وتُختار العروض بناءً على معايير فنية ومالية واضحة.
وفي هذا السياق، لا يبدو السوق مغلقاً أمام المنافسة، بل يخضع لمنظومة مفتوحة سبق أن شاركت فيها عدة شركات قبل دخول Addax إلى هذا المجال. كما أن بعض المزايا اللوجستية، مثل الاستثمار في منشآت تخزين استراتيجية في لاس بالماس، ساهمت في تعزيز القدرة التنافسية من حيث السرعة والتكلفة والمرونة في التوريد الإقليمي.
أما فيما يتعلق بتسعير الوقود، فيؤكد مختصون أن الأسعار مرتبطة أساساً بتقلبات الأسواق العالمية التي لا يتحكم فيها أي مورد، إضافة إلى هوامش تعاقدية تشمل تكاليف النقل والتأمين والتخزين والتمويل. وعليه، فإن ربط التحولات السعرية بعامل واحد فقط يُعد تبسيطاً لا يعكس البنية الاقتصادية المعقدة لسوق المحروقات.
هذا ويدعو متابعون للملف إلى إعادة النقاش إلى إطاره التقني والمؤسساتي، بعيداً عن التفاعلات السريعة والمعلومات غير الموثقة، بما يضمن قراءة أدق لقطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الطاقي للبلاد.
رابط المقال:
https://www.financialafrik.com/2026/05/13/mauritanie-apres-les-accusatio...













