
تأتي العنصرية بمعنى كراهية الآخر، لا لشيء إلا لاختلافه في اللون أو العرق أو الدين أو الثقافة، أي هي كراهية وعداوة بدون سبب مباشر وقع على الكاره ممن يكرهه، فلا خلاف شخصي بينهما إن هي إلا أحكام مسبقة يتبناها أحدنا فتحوله لكاره لغيره دون أن يدري حقا لماذا يكرهه.
ومن أجل فهم العنصرية يحتاج الأمر لرؤية تاريخية وإنسانية ودينية، وإن كنا نحن المسلمين مطالبين برؤية دينية تحوي كل ما عداها من الرؤى فالإنسانية عندنا لا تنفصل عن رسالة الإسلام وما التاريخ إلا أيام الله وقضاءه وقدره وسننه في الكون، ومن هذه النقطة، نقطة المسلم الذي يجد العنصرية في مقابله نقدم هذه القراءة المتواضعة:
ما معنى أن يمارس المسلم العنصرية تجاه إنسان آخر مسلم أو غير مسلم، تجاه مخلوق يماثله في الخلق؟ هل ينسجم إسلامه مع هذا الفعل، أو حتى عقله؟
إذا ما استحضرنا بعض النصوص الكريمة، من الكتاب والسنة، الدالة على مكانة الإنسان في هذا الوجود وعلاقته بالمخلوقات التي تجاوره وجدنا أن أية عملية احتقار أو اشمئزاز أو كراهية من إنسان لإنسان آخر، كحكم عليه فيما لا يد له فيه، كهيئة خلقه وما قُسم له من نِعم، قلت أو كثرت، وزمانه ومكانه... إنما هي نوع من الحماقة وسوء الأدب مع الله، فأي منزلة يعطيها أحدنا لنفسه فيخرج بموجبها من دائرة البشرية إلى ما فوقها أي إلى مرتبة تجعله يرى الناس دونه، كيف يستقيم الأمر عقلا ودينا وقد سلكنا في هذا الوجود ذات الطريق، فلم يدرك أحدنا ما كان قبل وجوده حتى يختار الهيئة التي سيكون عليها هذا الوجود، ولا يعلم ما سيكون بعد انقضاء أجله؟ فهو إذن اعتراض على ما اختاره الله وقضى به، إن العنصري شخص مشكوك في منطقه ودينه.
لقد وضع الله سبحانه وتعالى اختلاف ألسنتنا وألواننا كآيات بجانب خلق السماوات والأرض كدلالة على إرادته وحكمه في هذا الخلق، فهذا الاختلاف سنته التي لا مبدل لها فلا يبقى إلا أن يأكل الحقد والغل قلب صاحبه فكما لا يملك أن يمحو آيات الليل والنهار والشمس والقمر كذلك ليس له أن يمحو ما قدّر الله من اختلاف بين مخلوقاته، فلا يظهر العنصري بعد هذا إلا كمخلوق سولت له نفسه أن يصارع آيات خالقه في كونه وهذا عين الحماقة، كمن يعترض على شروق الشمس أو غروبها. إن الاستهزاء والاعتراض على خلق الله وما رزقهم من فضله معاصي بعضها فوق بعض فالكاره لخلق الله تدفعه كراهيته وحقده إلى ارتكاب جملة من المحرمات شرعا، ففي طريقه للتعبير عن عنصريته يرتكب معاصي: الغيبة، والسخرية، والحسد والفتنة، والبهتان والكذب... فماذا بعد هذا الحال من سوء؟
إن العنصرية ليست موقفا سياسيا تتبناه كوسيلة عادية ومشروعة في صراعك السياسي، بل هي، أولا، جريمة في حق ذاتك التي تجني عليها وتأخذها في طريق الهلاك حينما تخدعها بوهم القدرة على الاعتراض على خلق الله وسننه في كونه، وحينما تمنح قلبك قربانا للحقد والحسد وما أنت بضار به من أحد إلا بإذن الله ولا أنت تزيد في عمره ولا تنقص من رزقه. ثانيا، هي جريمة وذنب عظيم في حق غيرك إذا ما زرعت العنصرية في قلوب آخرين فكان عليك وزر كل غيبة وحسد وكل كلمة أو فعل سوء أثمره ذلك الزرع. إن العنصري المجاهر بعنصريته، أو بالأحرى المجاهر بأمراض قلبه يُخرج نفسه دون حياء من الوصف النبوي للمسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وكم هو بعيد من القلب الإبراهيمي: (إذ جاء ربه بقلب سليم).
إن من امتياز كوننا مجتمعا مسلما خالصا أنه لا حاجة لنا باستحضار مواثيق دولية أو نصوص فلسفية حول الإنسانية والمؤاخاة والتسامح... والإسلام شريعة وأخلاق كله نبل وسمو يستحي من يطلع على كمال أوامره ونواهيه أن يبحث عن غيره، فلا يبقى إلا أن نزداد حرصا على تعليم هذه القيم وترسيخها قولا وعملا، ولا نمل فإن الذكرى تنفع المؤمنين، متعبدين بها، ومتقين بها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.













