في مالي: المدنيون يعيشون أهوال جرائم الجيش والقوات الروسية

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في مالي مع احتدام الصراع المسلح واتساع رقعة المواجهات في شمال البلاد ووسطها، حيث تتزايد شهادات المدنيين الفارين من مناطق القتال بشأن انتهاكات خطيرة يقولون إن الجيش المالي وعناصر روسية متحالفة معه ارتكبوها خلال العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة.

وفي المناطق الحدودية داخل موريتانيا، تحولت مخيمات اللاجئين إلى مساحة تختزن قصصًا مؤلمة عن القتل والتعذيب والخوف. هناك، تروي امرأة مالية مسنة كيف فقدت ابنها بعد أن اعترضت دورية مشتركة من الجيش المالي ومسلحين روس طريقه أثناء رحلة تجارية قرب الحدود الصيف الماضي. وبحسب ما نقله شهود من رعاة كانوا مختبئين في المكان، فقد جرى تقييد الضحايا قبل قتلهم وقطع رؤوسهم، ثم أُحرقت بضائعهم، فيما بقيت الجثث لساعات طويلة دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفًا من كمين جديد.

ويقول لاجئون إن هذه الحوادث لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من واقع يومي يطبع حياة السكان في مناطق واسعة من شمال مالي، خاصة في أوساط الطوارق والفولاني الذين تتهمهم السلطات بدعم الجماعات الجهادية أو الحركات الانفصالية.

التحالف مع الروس وتزايد أعداد الضحايا

منذ وصول المجلس العسكري بقيادة الجنرال أسيمي غويتا إلى السلطة عام 2020، اتجهت باماكو إلى تعزيز تعاونها الأمني مع روسيا بعد تراجع علاقاتها مع فرنسا، ليظهر على الأرض حضور متزايد لعناصر مجموعة فاغنر الروسية التي باتت تعمل تحت اسم “فيلق أفريقيا”.

وفي خضم هذا التحول العسكري، تشير بيانات منظمة إيه سي ليد المتخصصة في تتبع النزاعات، إلى أن العمليات العسكرية المنفذة منذ عام 2020 تسببت في مقتل أكثر من 8500 شخص، نصفهم تقريبًا من المدنيين. كما تُظهر الأرقام ارتفاع نسبة الضحايا المدنيين بشكل كبير عندما تشارك القوات الروسية في العمليات، لتتجاوز في بعض الحالات تسعين في المئة.

وترى منظمات حقوقية أن اعتماد السلطات المالية المتزايد على المقاتلين الروس أدى إلى تصعيد غير مسبوق في مستوى العنف، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تشهد حملات عسكرية متكررة ضد الجماعات المسلحة.

التعذيب والنزوح الجماعي نحو موريتانيا

لا تقف المعاناة عند حدود القتل فقط، بل تمتد إلى ممارسات أخرى أكثر قسوة، وفق روايات اللاجئين. أحد الناجين، وهو راعٍ طوارقي لجأ إلى موريتانيا، تحدث عن تعرضه للتعذيب بعد اعتقاله قرب منطقة تمبكتو أثناء توجهه لجلب المياه. وقال إن القوات الروسية احتجزته لأيام، شهد خلالها إحراق مخيمات وقتل مواشٍ واعتداءات على مدنيين، قبل أن يتعرض لصعقات كهربائية وتعذيب متواصل داخل أحد المعسكرات العسكرية، مضيفًا أنه أُفرج عنه لاحقًا مقابل مبلغ مالي كبير.

ومع تصاعد هذه الانتهاكات، تتواصل في الوقت نفسه موجات النزوح نحو الأراضي الموريتانية، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 300 ألف لاجئ مالي في منطقة الحوض الشرقي وحدها، فرّوا من المعارك الدائرة بين الجيش والجماعات المسلحة، سواء المرتبطة بتنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالي لتنظيم القاعدة، أو الحركات الانفصالية الناشطة في شمال البلاد.

وقد وضع هذا التدفق الكبير للاجئين المنظمات الإنسانية أمام تحديات متزايدة، إذ تؤكد فرق أطباء بلا حدود أنها تتعامل مع حالات تعاني من صدمات نفسية وإصابات بالغة، إضافة إلى شهادات عن تعرض نساء ورجال للعنف الجنسي، فضلًا عن روايات تتحدث عن عمليات دفن لأشخاص وهم أحياء خلال بعض الهجمات.

تحركات حقوقية وتصعيد ميداني

وبسبب التدهور الإنساني، بدأت القضية تأخذ بعدًا حقوقيًا دوليًا، بعدما تقدمت منظمات مدنية، من بينها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، بشكاوى أمام الهيئات الإفريقية المختصة، تتعلق بانتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان ارتُكبت في مالي، وتشمل اتهامات موجهة إلى الجيش المالي ومقاتلين روس متحالفين معه.

أما على المستوى الميداني، فتبدو الأوضاع أكثر هشاشة بعد الهجمات الأخيرة التي نفذتها جماعات مسلحة وتحالفات انفصالية، أبرزها جبهة تحرير أزواد، ضد مواقع عسكرية تابعة للسلطات المالية، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر في مناطق استراتيجية مثل كيدال، وأعاد خلط موازين القوى في شمال البلاد.

وسط كل ذلك، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررًا من حرب تتشابك فيها الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية، بينما تتسع دائرة النزوح والخوف يومًا بعد يوم، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الصراع أو التوصل إلى تسوية تعيد الاستقرار إلى البلاد.

رابط المقال:

https://www.revueconflits.com/au-mali-les-civils-dans-lhorreur-des-crime...