موريتانيا: حكاية "شيخ" الصحفي الذي خدم السلطة ثم اختفى بصمت

في أحد أحياء نواكشوط البسيطة، خلف باب قديم أكلته الرياح والرمال، يعيش رجل يُدعى شيخ. قد يمرّ به المارّون دون أن يلتفتوا إليه، وكأنه جزء من المشهد اليومي الذي لا يثير الانتباه. ومع ذلك، كان هذا الرجل يومًا من الأصوات الصحفية التي تركت أثرًا واضحًا في الساحة الإعلامية، حين كانت الكلمة قادرة على صناعة الصورة العامة وصياغة السمعة.

اليوم تغيّر كل شيء. فقد أصبح شيخ في مرحلة هادئة من حياته، يعيش على هامش اجتماعي ومادي واضح، أقرب إلى الغياب منه إلى الحضور، وكأن الزمن قرر أن يطوي اسمه دون ضجيج.

زمن القلم والوجوه

في سنوات نشاطه المهني، كان شيخ يكتب وهو يحمل إيمانًا كبيرًا بدور الصحافة. لم يكن يرى نفسه مجرد ناقل للأخبار، بل صانعًا للسياق والمعنى. كتب مقالات تحليلية، وملفات تعريفية، ونصوصًا كانت تسلط الضوء على مسؤولين وشخصيات سياسية وإدارية اعتقد أنها تحمل مشروعًا للتغيير.

في تلك المرحلة، كان اسمه مطلوبًا بكثرة. الهاتف لا يتوقف، والطلبات تأتي من جهات متعددة تبحث عن قلمه القادر على تحسين الصورة العامة وإعطاء حضور أقوى لشخصيات ما كانت لتظهر بنفس القوة لولا ما يكتبه. ومع ذلك، كان شيخ يعتقد أن هذا الجهد سيُقابل بالوفاء، وأن الاعتراف جزء طبيعي من العلاقة بين الكاتب ومن يكتب عنهم.

لكن مع مرور الوقت، بدأت القصة تتخذ مسارًا مختلفًا.

من الواجهة إلى الهامش

اليوم وفي المشهد الإعلامي، تبدلت الوجوه وتغيرت المواقع. كثير ممن كتب عنهم ارتقوا إلى مناصب أعلى أو دخلوا دوائر النفوذ، بينما تراجع حضور الرجل الذي ساهم في بناء صورتهم الأولى. شيئًا فشيئًا، لم يعد يُذكر إلا نادرًا، وكأن دوره أصبح تفصيلًا قديمًا لا مكان له في الحاضر.

ومع ذلك، لم يغب عن ذاكرته شيء. ما زال يتذكر ليالي العمل الطويلة، حين كان يُطلب منه تعديل مقالات في اللحظات الأخيرة لإرضاء مسؤول نافذ، أو كتابة نصوص دفاعية في أوقات الأزمات، أو حتى حذف مواد كاملة بسبب اعتراضات من جهات مؤثرة. وكانت الوعود تتكرر دائمًا: “لن ننساك”.

لكن تلك الوعود تلاشت مع الزمن، وبقيت مجرد صدى بعيد في ذاكرته.

اليوم، ينظر شيخ إلى تلك المرحلة بعين أكثر هدوءًا ووعيًا. لم يعد يهاجم أحدًا، بل صار يراقب المشهد بصمت، وقد أدرك أن موازين السلطة لا تقوم دائمًا على الوفاء، وأن منطق السياسة والإعلام قد يجعل النقد أحيانًا أكثر نفعًا من الدعم، وأكثر قابلية للبقاء.

مرآة لجيل كامل

في هذا الواقع، يرى أن كثيرًا ممن كانوا في الظل بالأمس أصبحوا في الواجهة اليوم، بينما اختفى آخرون رغم أنهم ساهموا في بناء تلك الواجهات.

ولذلك لم تعد قصته مجرد تجربة شخصية، بل تحولت إلى سؤال أوسع عن مصير من يعملون خلف الكواليس: ماذا يبقى لهم حين تتغير الحسابات وتُغلق الملفات القديمة؟

في عزلته، ما زال شيخ يكتب أحيانًا في دفتر قديم، لكن ليس كما في السابق. لم يعد يكتب لتمجيد أحد، بل لمحاولة فهم كيف تتبدل القناعات حين تتبدل المصالح، وكيف يصبح الوفاء فكرة هشة أمام تقلبات الواقع.

وهكذا، تتحول حكايته إلى مرآة لجيل كامل آمن بقوة الكلمة، قبل أن يكتشف أن الذاكرة العامة لا تحتفظ طويلًا بمن يكتب في الظل، مهما كان أثره عميقًا.

رابط المقال:

https://www.moroccomail.fr/2026/05/23/mauritanie-presse-journalist-cheik...