مع حلول عيد الأضحى المبارك ورغم ازدحام أسواق الأغنام تعرف أسعار الأضاحى منحنى تصاعديا، هذا العام لأسباب تتعلق بالأزمة العالمية في الطاقة وتراجع قيمة العملة الوطنية، واحتمالات تراجع العرض، مع الكرم الحاتمي وإبرام اتفاقيات لتوريد الأضاحي إلى بعض البلدان الافريقية.. ومع ذلك تعرف أسواق الأغنام حركية غير معهودة مع اقتراب يوم العيد .لكنها حركية يصفها البعض بأنها من أجل "الفرجة" ومحاولة التكيف، وليس للشراء الفعلي، مما يرسم مشهدا معقدا لواقع معيشي يختبر قدرة المواطن على الصمود في وجه موجات غلاء عاتية يعلق أحد رواد سوق الأغنام بالميناء..
مفارقات بالجملة
تتمتع موريتانيا بثروة حيوانية هائلة تُقدر بأكثر من ثلاثين مليون رأس من الماشية، وهو ما يجعلها نظرياً من أهم مصدري اللحوم الحمراء في المنطقة. ومع ذلك تراوحت أسعار الأضاحي هذا العام ما بين 7,000 إلى 12,000 أوقية جديدة (ما يعادل 170 إلى 300 دولار أمريكي) للكباش من الحجم المتوسط وهو ما يعزوه باعة الأغنام إلى الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات مما زاد من كلفة النقل من الولايات الرعوية إلى نواكشوط إضافة إلى جفاف المراعي ولجوء المنمين إلى الأعلاف لتسمين أنعامهم في وقت مبكرا.
كل ذلك جعل الكثيرين يفضلون توجيه أغنامهم إلى أسواق دول الجوار في السنغال وساحل العاج بدل تسويقها في نواكشوط طمعاً في عوائد مالية أعلى بالعملة الصعبة، مما يقلص المعروض المحلي ويدفع الأسعار نحو الأعلى.
العيد طقوس والتزامات
لا تقف مصاريف العيد عند شراء الأضحية، بل إن هناك مواضعات وطقوس اجتماعية لا يمكن التنازل عنها دون الشعور بـ "الحرج الاجتماعي"، كملابس العيد حيث تتزين أسواق الملابس، وتستعد لاستقبال قبل أسابيع وحتى أشهر، فتتزين واجهاتها با"لموضات" الجديدة التي تأخذ أحيانا مسميات شعبية مع صمود بعض الموضوعات "الترند" والتي أثبت رواجها في الأعوام الماضية ويظل المتغير الوحيد هو غلاء الملابس عاما بعد أخر مما روج لتجارة الملابس المستعملة ويتطلب من الأمهات إنفاق الساعات أمام معروضات الملابس بحثا عن بدائل تناسب ميزانياتها المنهكة تعلق إحدى هؤلاء من سوق "كابتال" لموفد الفكر.
من تبعات العيد كذلك المعايدات وصلات الأقارب والأصهار فيما يعرف شعبيا "بانديونه" والتي أصبحت لازمة التسامح والتهنئة بالعيد..ومع ذلك تعرف أسواق المواد الاستهلاكية والسلع الخدمية رواجا أيام العيد مما يرهق ميزانيات الأسرة الموريتانية المنهكة أصلا بفعل الغلاء وتردي القوة الشرائية يجمع رواد سواق المواد التموينية بوسط المدنية.
صمود بطعم الانكسار
في جولة بين أزقة "سوق الميناء" الشعبي، التقينا محمد ولد أحمد، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أطفال. يقول وعيناه تتفحصان معروضات الملابس بأسى: "الراتب لم يعد يكفي لتغطية أسبوع واحد من الشهر، فكيف بمتطلبات العيد؟ الأضحية وحدها تلتهم جل الراتب مما يضطر الموظف للاستدانة أو انتظار المساعدات العائلية ليرسم الابتسامة على وجوه أطفاله.
وقد عمدت السلطات إلى تسبيق صرف رواتب شهر مايو لتغطية مصاريف العيد مما لاقى ارتياحا في أوساط هؤلاء خاصة في قطاعي التعليم والصحة والذي يستقطب جل موظفي القطاع الحكومي كما يقول ولد أحمد.
يم منت سيدي"، وهي بائعة خضار وأم معيلة، تقول: "العيد تحول من مناسبة للفرح إلى هَمّ ثقيل يطارد محدودي الدخل، ومع ذلك فإن تنامي تدخلات المبادرات والمنظمات الخيرية يساهم قليلا في التنفيس عن مرجل الكبت والتذمر من الأوضاع المعيشية والذي يتفاقم عاما بعد آخر، حيث تنشط بعد المبادرات في توزيع الأضاحي وكسوة العيد، ويتكفل بعضها بالأيتام والأرامل والمعوزين تضيف بنت سيدي.
مبادرات خجولة
كما تنشط سفارات بعض الدول الإسلامية وهيئاتها الخيرية بانواكشوط في إطلاق برامج لتوزيع الأضاحي وكسوة العيد لكنها تظل محدودة الأثر في ظل الطلب المتنامي على مثل هذه الخدمات الموسمية يعلق رئيس إحدى جمعيات مساعدة المعوقين مطالبا السلطات بافتتاح نقاط لبيع الأضاحي بأسعار مخفضة على شاكلة معارض اتحادية التجار خلال شهر رمضان المنصرم والتي أصبحت تقليدا يساهم إلى حد كبير في ضبط الأسعار والتخفيف عن محدودي الدخل.
ويبقى العيد في المخيال الشعبي رمزاً للتراحم والتكافل رغم قسوة الظروف وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي فيما يتطلع المواطنون أن تحمل الخطط التنموية حلولاً جذرية لضبط الأسواق، وتأطيرالمنمين والحيلولة دون المضاربة في أسعار الأضاحي والحد من التصدير للخارج والتهافت على أسواق دول الجوار، قبل سد خلة المواطن وتحقيق الاكتفاء الذاتي وحتى يعود للعيد بهجته وفرحته بعيداً عن حسابات الديون والجيوب الخاوية.











