
في ظلّ التحولات المتسارعة التي تشهدها منظومة الأمن الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى في القارة الإفريقية، تواصل روسيا تعزيز حضورها العسكري بشكل متنامٍ، مستندة إلى استراتيجية تجمع بين تصدير السلاح، والتعاون الصناعي، والدعم الاستراتيجي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، أعلنت وكالة “روسوبورون إكسبورت” الروسية، التابعة لمجموعة “روستيخ”، بمناسبة يوم إفريقيا، أن موسكو باتت تربطها اتفاقيات تعاون عسكري وتقني مع 46 دولة إفريقية، في إطار شراكات حكومية رسمية تعكس اتساع رقعة النفوذ الروسي في القارة.
ويأتي هذا التطور مدعومًا بأرقام تعكس حجم هذا التوسع، إذ أوضح المدير العام للوكالة، ألكسندر ميخيف، أن روسيا وقّعت منذ عام 2023 نحو 150 عقدًا مع دول إفريقية، تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار (حوالي 17.2 مليار يورو)، وتشمل صفقات تسليح، ومشاريع تعاون تكنولوجي، وتحديثًا للمعدات العسكرية، إلى جانب برامج لبناء القدرات الدفاعية.
شراكة سيادية مع الدول الإفريقية
من هذا المنطلق، لم تعد المقاربة الروسية تقتصر على بيع الأسلحة التقليدية، بل تطورت لتشمل نموذجًا أوسع يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وصيانة المنظومات العسكرية، وهو ما تطرحه موسكو باعتباره “شراكة سيادية” تهدف إلى دعم استقلالية القرار الدفاعي للدول الإفريقية بدل علاقة تجارية أحادية.
ويعكس هذا التحول أيضًا تغيّرًا أعمق في البيئة الأمنية داخل القارة، حيث تزايدت الأزمات الإقليمية وتراجعت الثقة في بعض الشركاء الغربيين، بالتوازي مع صعود أنظمة عسكرية تبحث عن بدائل استراتيجية أكثر مرونة في التعاون العسكري.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، فقد أصبحت روسيا أكبر مزود للأسلحة الثقيلة إلى إفريقيا خلال الفترة 2020-2024 بنسبة 21% من إجمالي الواردات، متقدمة على الصين (18%) والولايات المتحدة (16%)، رغم تسجيل انخفاض عام في واردات السلاح بالقارة بنسبة 44% مقارنة بالفترة 2015-2019، وهو ما يعكس إعادة توزيع للطلب وليس تراجعًا في الأهمية الاستراتيجية للسوق الإفريقية.
خطوة نحو ترسيخ النفوذ الروسي في دول الساحل
وفي هذا الإطار، تبرز منطقة الساحل كنقطة ارتكاز رئيسية لهذا النفوذ المتصاعد، حيث عززت دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعاونها العسكري مع موسكو بعد تقليص ارتباطاتها الدفاعية مع الشركاء الغربيين، لتتحول إلى نموذج واضح لإعادة التموضع الجيوسياسي في القارة.
ومع تزايد هذا التوجه، أعلنت روسيا دعمها لقوة مشتركة قوامها 5000 عنصر تابعة لـ”تحالف دول الساحل”، ما يعكس انتقال التعاون من مستوى ثنائي إلى أطر إقليمية أكثر تنظيمًا، تعزز من الحضور الروسي على الأرض.
وفي السياق نفسه، شهد الوجود الروسي تطورًا مؤسسيًا لافتًا مع الانتقال من مجموعة “فاغنر” إلى هيكل رسمي تابع لوزارة الدفاع تحت اسم “فيلق إفريقيا”، وهو ما اعتبره تقرير لمعهد “تمبكتو” عام 2025 خطوة نحو ترسيخ واستدامة النفوذ الروسي في المنطقة، بدل الاعتماد على كيانات شبه مستقلة.
وبناءً على هذه المعطيات، تؤكد موسكو أن القارة الإفريقية تمثل نحو 30% من حجم طلبات شركة التصدير العسكرية الروسية، ما يجعلها سوقًا استراتيجية محورية، خاصة في ظل التحولات الجارية، ومع اقتراب انعقاد قمة روسيا-إفريقيا المقبلة، التي يُتوقع أن تعمّق هذا المسار وتفتح المجال لمزيد من التوسع في التعاون العسكري والاقتصادي بين الجانبين.
رابط المقال:
https://www.latribune.fr/article/afrique/19878008874327/defense-et-secur...











