موريتانيا: دبلوماسية هادئة وطموح كبير لقيادة الفرنكوفونية

تستعد المنظمة الدولية للفرنكوفونية لانتخاب أمين عام جديد في ظرف دولي وإقليمي دقيق، يتسم بتزايد التوترات بين فرنسا وعدد من مستعمراتها السابقة في إفريقيا، في وقت ما تزال فيه اللغة الفرنسية تمثل الرابط الثقافي والحضاري الأكثر ثباتاً بين شعوب الفضاء الفرنكوفوني.

وفي خضم هذا السياق المعقد، تبرز موريتانيا كأحد أبرز المرشحين لقيادة المنظمة عبر مرشحتها الدكتورة كومبا با، التي تواجه الأمينة العامة الحالية الرواندية لويز موشيكيوابو، إلى جانب مرشحين آخرين من القارة الإفريقية. ويرى مراقبون أن هذا الاستحقاق يشكل فرصة لإعادة رسم التوازنات داخل المنظمة وإعطاء دفع جديد لمشروع الفرنكوفونية في إفريقيا.

الفرنكوفونية بين الإرث التاريخي والتحديات الراهنة

تستمد الفرنكوفونية جذورها من رؤية قادة ومفكرين أفارقة آمنوا بأن اللغة الفرنسية يمكن أن تتحول من إرث استعماري إلى فضاء للتواصل والتعاون الثقافي. ويُعد الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور أحد أبرز مؤسسي هذا التصور، حين قال: «في أنقاض الاستعمار وجدنا أداة رائعة هي اللغة الفرنسية».

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة اليوم، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها العلاقات بين فرنسا والعديد من الدول الإفريقية. فرغم الخلافات السياسية المتزايدة، ما تزال اللغة الفرنسية تمثل جسراً للتواصل بين الشعوب ومجالاً مشتركاً للحوار والتبادل الثقافي.

ومع اقتراب موعد انتخاب الأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، تتصاعد الدعوات إلى إرساء مبدأ التداول على المناصب القيادية داخل المؤسسات الدولية. وفي هذا الإطار، يرى مؤيدو التغيير أن منح الفرصة لدولة أخرى لتولي قيادة المنظمة من شأنه أن يعزز التوازن والتمثيل داخل الفضاء الفرنكوفوني.

وتستفيد موريتانيا من عدة عوامل تجعل ترشيحها محل اهتمام متزايد، فهي من الدول المؤسسة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، ولم يسبق لها أن تولت منصب الأمين العام. كما أن موقعها الجغرافي الفريد يجعلها نقطة التقاء بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يمنحها قدرة خاصة على بناء الجسور بين مختلف المكونات الثقافية والسياسية للقارة.

كومبا با.. خبرة سياسية ودبلوماسية 

تقود هذا الترشح الدكتورة كومبا با، المستشارة لدى رئاسة الجمهورية والمبعوثة الخاصة لموريتانيا لدى المنظمة الدولية للفرنكوفونية. وتمتلك با مساراً مهنياً وإدارياً متنوعاً، بدأ في المجال الصحي كطبيبة جراحة أسنان قبل أن تنتقل إلى العمل الحكومي وتقلد عدداً من المناصب الوزارية المهمة.

وشغلت المرشحة الموريتانية حقائب الوظيفة العمومية والشباب والشؤون الإفريقية والتحديث الإداري، كما راكمت خبرة واسعة في إدارة الملفات الوطنية والدولية الحساسة. ويعتبر داعموها أن هذه التجربة تمنحها فهماً عميقاً لآليات صنع القرار وقدرة على إدارة مؤسسة دولية بحجم المنظمة الفرنكوفونية.

وتكتسب المرشحة الموريتانية أهمية إضافية في ظل الانقسامات والتجاذبات التي يعرفها الفضاء الفرنكوفوني. فموريتانيا تُنظر إليها باعتبارها طرفاً يحظى بقدر كبير من الحياد مقارنة ببعض القوى الإقليمية الأخرى، الأمر الذي قد يساعد على بناء توافقات جديدة داخل المنظمة.

كما أن المهام الدبلوماسية التي أوكلت إلى كومبا با خلال السنوات الماضية تعكس، بحسب أنصار ترشحها، قدرتها على إدارة الملفات المعقدة والتوفيق بين المصالح المختلفة، وهي مهارات باتت ضرورية في مرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة بين أعضاء المنظمة.

رؤية لمستقبل الفرنكوفونية

تطرح المرشحة الموريتانية برنامجاً يركز على تعزيز التوازن داخل المنظمة وإعادة الحيوية إلى مشروع الفرنكوفونية في مواجهة التحديات السياسية والثقافية والاقتصادية الراهنة. كما تدعو إلى تبني مقاربة أكثر جرأة وانفتاحاً تمكن المنظمة من مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد منافسة على منصب إداري، إذ تمثل اختباراً لقدرة المنظمة الدولية للفرنكوفونية على تجديد نفسها وإيجاد قيادة قادرة على توحيد أعضائها حول رؤية مشتركة للمستقبل.

وبين اعتبارات التوازن الجغرافي، ورهانات التمثيل الإفريقي، والحاجة إلى قيادة توافقية، تدخل موريتانيا السباق وهي تراهن على موقعها الوسطي وخبرة مرشحتها لتقديم نفسها خياراً جامعاً في مرحلة تبحث فيها الفرنكوفونية عن اتجاه جديد يعزز مكانتها ودورها على الساحة الدولية.

رابط المقال:
https://www.revueconflits.com/la-mauritanie-au-centre-de-la-francophonie/