
ثير المسار السياسي الذي تسلكه السلطات الانتقالية في مالي مخاوف متزايدة لدى عدد من الباحثين والمراقبين، في ظل ما يصفونه بتنامي تركيز السلطة في يد رئيس المرحلة الانتقالية الجنرال أسيمي غويتا، على حساب المؤسسات المدنية والعسكرية التي يفترض أن تشكل ركائز الحكم والاستقرار.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية متفاقمة، رغم مرور سنوات على وصول العسكريين إلى السلطة تحت شعار استعادة الأمن ومحاربة الجماعات المسلحة.
وكانت السلطات المالية قد أعلنت مطلع مايو/أيار الجاري تولي غويتا حقيبة الدفاع بنفسه، عقب مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا خلال هجمات دامية استهدفت عدة مناطق من البلاد. ورغم أن القرار قُدم على أنه إجراء استثنائي لضمان استمرارية القيادة العسكرية في ظرف أمني معقد، فإن محللين يرون فيه خطوة جديدة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على مفاصل الدولة.
من مرحلة انتقالية إلى سلطة أكثر تركيزاً
منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا عام 2020، تعهد قادة المجلس العسكري بقيادة البلاد نحو انتقال سياسي ينتهي بانتخابات تعيد الحكم إلى المدنيين. لكن السنوات اللاحقة شهدت مساراً مختلفاً، تمثل في تأجيل الاستحقاقات الانتخابية وإجراء تعديلات قانونية ودستورية عززت من موقع القيادة العسكرية داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب خبراء في الشأن السياسي الإفريقي، فإن ما يجري في مالي يعكس تحولاً تدريجياً من حكم عسكري انتقالي إلى نموذج سياسي يتمحور حول شخصية القائد، حيث باتت القرارات الكبرى تتركز بشكل متزايد داخل دائرة ضيقة مرتبطة بالرئيس الانتقالي.
ويرى هؤلاء أن هذا النمط من الحكم يقلص دور المؤسسات ويجعل إدارة الدولة أكثر ارتباطاً بالولاءات الشخصية من ارتباطها بالآليات المؤسسية التقليدية.
إعادة هندسة المؤسسة العسكرية
بالتوازي مع التحولات السياسية، شهدت المؤسسة العسكرية المالية سلسلة من التغييرات التنظيمية شملت استحداث وحدات أمنية وعسكرية جديدة وإعادة توزيع المسؤوليات داخل هرم القيادة.
ويعتبر مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف من جهة إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التهديدات الأمنية، لكنها تُفسَّر من جهة أخرى على أنها محاولة لضمان ولاء الأجهزة العسكرية ومنع ظهور مراكز نفوذ منافسة داخل الجيش.
كما ازدادت أهمية وزارة الدفاع خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتوسع دورها في إدارة الشراكات الأمنية الخارجية، خاصة بعد إعادة ترتيب التحالفات العسكرية لمالي وانسحاب القوات الفرنسية من البلاد.
ظاهرة تتسع في منطقة الساحل
ولا تبدو مالي حالة استثنائية في هذا السياق، إذ يشير باحثون إلى وجود توجه مشابه في عدد من دول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية خلال الأعوام الأخيرة.
ففي بوركينا فاسو، عزز الرئيس الانتقالي إبراهيم تراوري حضوره السياسي والشعبي عبر خطاب وطني قوي وصورة إعلامية تضعه في موقع "الزعيم المنقذ"، بينما اتخذت السلطات إجراءات متتالية أدت إلى تأجيل الانتخابات وإطالة أمد المرحلة الانتقالية.
أما في النيجر، فقد عمد الجنرال عبد الرحمن تياني إلى تمديد الفترة الانتقالية لعدة سنوات، مع ربط العودة إلى المسار الديمقراطي بتحسن الأوضاع الأمنية، في وقت شهدت فيه البلاد إعادة ترتيب لمؤسسات الدولة تحت إشراف السلطة العسكرية.
ويرى خبراء أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في انتقال السلطة من إطار جماعي داخل المؤسسة العسكرية إلى نموذج يرتكز بصورة متزايدة على شخص الحاكم نفسه.
مخاوف من إضعاف المؤسسات
يحذر مختصون من أن تركيز السلطة بيد شخصية واحدة قد يوفر للنظام الحاكم قدرة أكبر على اتخاذ القرار بسرعة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر طويلة الأمد على استقرار الدولة.
ووفق رأيهم، كلما تراجعت أدوار المؤسسات المستقلة وتعاظم نفوذ الفرد، ازدادت هشاشة النظام السياسي أمام الأزمات والتحديات، كما تصبح عملية إدارة الدولة أكثر ارتباطاً بمصير القائد وشبكة المقربين منه.
وفي السياق الأمني، قد يؤدي هذا النهج إلى إعطاء الأولوية لمعادلات الولاء على حساب الكفاءة، وهو ما ينعكس سلباً على أداء المؤسسات العسكرية وقدرتها على مواجهة التهديدات المتزايدة التي تشهدها منطقة الساحل.
وبينما تواصل السلطات المالية التأكيد أن إجراءاتها تستهدف تعزيز الأمن والاستقرار، يرى مراقبون أن مستقبل البلاد سيعتمد إلى حد كبير على قدرة مؤسساتها على الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن من جهة، وضرورة بناء دولة مؤسسات قادرة على الصمود والاستمرار من جهة أخرى.
رابط المقال:
https://www.jeuneafrique.com/1799405/politique/au-mali-pourquoi-la-perso...












