
تصدرت دول شمال إفريقيا مشهد اقتناء الطائرات المسيّرة العسكرية في القارة، بعدما استحوذت على أكثر من نصف إجمالي الطائرات التي دخلت الخدمة في الدول الإفريقية خلال العقود الأخيرة. ووفق تقرير حديث صادر عن مجلة "ميليتاري أفريكا"، بلغ عدد الطائرات المسيّرة التي اقتنتها دول شمال القارة 1026 وحدة من أصل 1959 وحدة تم رصدها في 34 دولة إفريقية بين عامي 1980 و2026.
وجاءت مصر في صدارة الدول الإفريقية المستوردة للمسيّرات بـ313 وحدة، تليها المغرب بـ279 وحدة، ثم الجزائر بـ128 وحدة. ويعكس هذا التمركز الكبير لشمال إفريقيا الأهمية الاستراتيجية التي توليها دول المنطقة لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز منظومات المراقبة والاستطلاع والضربات الدقيقة في بيئة أمنية تتسم بتحديات متزايدة.
ولا يقتصر الأمر على حجم المقتنيات فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الشراكات العسكرية التي باتت تشكل أحد أبرز ملامح التحولات الجيوسياسية في القارة. ففي المغرب، على سبيل المثال، برز التعاون العسكري مع إسرائيل من خلال اقتناء 176 طائرة مسيّرة من طرازات مختلفة، في حين تواصل مصر والجزائر تنويع مصادر تسليحهما بين شركاء دوليين متعددين.
ومع انتقال المنافسة إلى بقية مناطق القارة، تظهر منطقة الساحل وليبيا باعتبارهما من أبرز ساحات الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، حيث تحولت هذه الأنظمة من أدوات للاستطلاع إلى أسلحة حاسمة في إدارة الصراعات ومكافحة الجماعات المسلحة.
الصين وتركيا تقودان المنافسة على السوق الإفريقية
يكشف التقرير أن القارة الإفريقية أصبحت واحدة من أكثر الأسواق العالمية نشاطاً في مجال الطائرات المسيّرة العسكرية، مدفوعة بتوسع النزاعات المسلحة وبرامج تحديث الجيوش الوطنية. ففي الفترة الممتدة بين 2020 و2026 وحدها، تم تسليم 1054 طائرة مسيّرة، أي أكثر من نصف إجمالي الطائرات التي تم اقتناؤها خلال 46 عاماً.
وتتربع الصين على عرش موردي الطائرات المسيّرة في إفريقيا بعدما سلمت 587 وحدة إلى 20 دولة إفريقية، مستفيدة من أسعارها التنافسية وسرعة التوريد وغياب القيود السياسية التي ترافق عادة الصادرات العسكرية الغربية.
في المقابل، سجلت تركيا صعوداً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الطائرات التركية المصدرة إلى القارة إلى 291 وحدة، يتصدرها طراز "بيرقدار TB2" الذي انتشر في 11 دولة إفريقية. وقد أصبحت هذه المسيّرات خياراً مفضلاً لدى دول عدة، بينها مالي والنيجر وإثيوبيا وليبيا، بفضل فعاليتها العملياتية وكلفتها الأقل مقارنة بالأنظمة الغربية.
وتعكس هذه التحولات تغيراً أوسع في خريطة النفوذ العسكري بالقارة، خاصة في منطقة الساحل التي شهدت تراجعاً ملحوظاً للحضور الفرنسي مقابل تنامي الشراكات الدفاعية مع تركيا وقوى دولية أخرى.
من الاستيراد إلى التصنيع المحلي
بالتوازي مع زيادة الواردات العسكرية، بدأت عدة دول إفريقية العمل على بناء قدراتها الذاتية في مجال صناعة الطائرات المسيّرة. ووفق التقرير، أطلقت تسع دول برامج إنتاج محلية أسفرت عن تصنيع 216 وحدة حتى الآن.
وتقود جنوب إفريقيا هذا التوجه بإنتاج 94 طائرة، تليها نيجيريا بـ36 وحدة، ثم الجزائر بـ29 وحدة وإثيوبيا بـ21 وحدة. كما تعمل دول أخرى، من بينها المغرب، على تطوير مشاريع وطنية تهدف إلى تعزيز السيادة التكنولوجية وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين.
ويؤكد التقرير أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد معدات عسكرية إضافية ضمن ترسانات الجيوش الإفريقية، بل أصبحت أداة استراتيجية تعكس توجهات الدول وتحالفاتها ومصالحها الأمنية. فكل صفقة اقتناء جديدة تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز الجانب العسكري، في وقت تتجه فيه القارة نحو مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والتكنولوجيا الدفاعية.
رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/politique/defense-1959-unites-acquises-aupres-d...












