
أصبح الحصار الذي تفرضه جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) أحد أبرز أساليب الحرب في وسط مالي، حيث لم يعد الصراع يقتصر على المواجهات المسلحة المباشرة، بل امتد ليشمل استهداف مقومات الحياة اليومية للسكان. فمن خلال إغلاق الطرق، وتعطيل الأسواق، ومنع الوصول إلى الحقول الزراعية والمراعي، تسعى الجماعة إلى فرض نفوذها وإخضاع المجتمعات المحلية عبر الضغط الاقتصادي والاجتماعي والنفسي.
وتكشف دراسات ميدانية وشهادات سكان محليين أن هذا الأسلوب أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في العديد من القرى، خاصة في مناطق موبتي وباندياغارا، حيث باتت العائلات تعيش بين شبح المجاعة والخوف من العنف المسلح، وسط تراجع واضح لدور الدولة وضعف الخدمات الأساسية.
قرى محاصرة
في قرية ماريبوغو، الواقعة في دائرة جينيه، رفض السكان في البداية الامتثال لشروط الجماعة المسلحة، وتمسكوا باستمرار التعليم وحرية ممارسة أنشطتهم الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هزيمة مجموعات الدفاع الذاتي المحلية عام 2021 قلبت موازين القوى، ليفرض حصار شامل استمر أشهراً طويلة وأدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية والسلع الأساسية.
ومع تفاقم المعاناة وتعطل سبل العيش، اضطر السكان إلى القبول بتسوية فرضتها الجماعة المسلحة، ليس اقتناعاً بمضمونها، وإنما بحثاً عن مخرج من الأزمة الإنسانية الخانقة. وقد تكرر المشهد بدرجات متفاوتة في مناطق أخرى، حيث تحولت الضغوط المعيشية إلى وسيلة فعالة لدفع المجتمعات المحلية نحو الخضوع أو التكيف مع الواقع الجديد.
في المقابل، اختارت قرى أخرى، مثل سايي وكوري-ماوندي، مواصلة رفضها للضغوط المفروضة عليها. إلا أن هذا الموقف كلّفها ثمناً باهظاً تمثل في تشديد الحصار، وازدياد عمليات القتل والخطف، إضافة إلى موجات نزوح متزايدة بحثاً عن الأمن والغذاء.
المدارس والحقول يدفعون الثمن
لم تتوقف آثار الحصار عند حدود الأمن والغذاء، بل امتدت لتضرب ركائز الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك المناطق. فقد أُغلقت مدارس عديدة بعد مغادرة المعلمين، ما حرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم، وأضعف أكثر حضور الدولة داخل القرى النائية.
وفي الوقت نفسه، تعرض القطاع الزراعي لخسائر فادحة نتيجة منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو استهداف محاصيلهم ومواشيهم. كما تعطلت الأسواق الأسبوعية التي تشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد المحلي، الأمر الذي انعكس مباشرة على دخل الأسر ومستوى معيشتها، خصوصاً النساء اللواتي يعتمدن على الأنشطة التجارية الصغيرة لتأمين احتياجات أسرهن.
ومع تراجع فرص الإنتاج والتبادل التجاري، ازدادت هشاشة المجتمعات الريفية، وأصبحت أكثر اعتماداً على المساعدات المحدودة أو على شبكات التضامن المحلية التي تحاول التخفيف من آثار الأزمة.
أهمية التضامن المجتمعي
رغم قسوة الظروف، لم تستسلم المجتمعات المحلية بالكامل لتداعيات الحصار. فقد برزت أشكال متنوعة من التضامن بين السكان، شملت تقاسم الغذاء والمياه، ومساعدة الأسر الأكثر تضرراً، ودعم المرضى وكبار السن، بما ساعد على الحد من الانهيار الاجتماعي الكامل.
كما لعبت الروابط العائلية والتقليدية دوراً مهماً في تعزيز قدرة القرى على الصمود، حتى في ظل استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية. ومع ذلك، يؤكد مراقبون أن هذه المبادرات، على أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن الحلول السياسية والأمنية الشاملة.
عموما، يظهر المشهد في وسط مالي أن الحصار لم يعد مجرد وسيلة عسكرية عابرة، بل تحول إلى أداة للهيمنة وإعادة تشكيل الحياة اليومية للسكان. وبين من اختار التفاوض ومن تمسك بالمقاومة، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراع يدفعون ثمنه من أمنهم وغذائهم ومستقبل أبنائهم.
رابط المقال:
https://www.pressegauche.org/Au-Mali-survivre-aux-blocus-du-Jnim-entre-f...












