
ليست كل الأوسمة سواء، وليست كل لحظات التكريم متشابهة؛ فهناك أوسمة تمنح للأفراد، وأخرى تهدى للتاريخ، وثالثة تعلق على صدر قائد فتستقر في وجدان أمة بأكملها. ومن هذا المقام الرفيع جاء توشيح الجمعية البرلمانية للفرانكفونية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بوسام «الثريا»، أرفع أوسمتها وأسمى درجات التكريم فيها، في لحظة تحمل من الدلالات ما يفوق حدود البروتوكول ويعلو على مجرد المجاملة الدبلوماسية.
لقد كان المشهد في القصر الرئاسي بنواكشوط أكبر من حفل تكريم، وأعمق من مناسبة احتفالية؛ كان إعلانا دوليا مدويا عن المكانة التي بلغتها موريتانيا في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، واعترافا صريحا من إحدى أهم المؤسسات البرلمانية الدولية بأن هذا البلد الهادئ الواثق من نفسه أصبح رقما وازناً في معادلات الاستقرار والحوار والتعاون داخل الفضاء الفرانكفوني وخارجه.
إن الأوسمة العظمى لا تمنح جزافا، ولا تنتزع بالمجاملات، وإنما تصاغ من رصيد الثقة، وتسك من معدن الإنجاز، وتمنح لمن استطاع أن يجعل من الحكمة أسلوب حكم، ومن الاعتدال منهج قيادة، ومن التوافق جسرا تعبر عليه الأمم نحو الأمن والاستقرار. وذلك ما جسدته موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، وهي تخط بثبات مسارا سياسيا ودبلوماسيا حظي بالتقدير والإشادة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
إن مما يزيد في رونق هذا الوسام أنه أُسدل على صدر رئيس لم يطلب الشهرة بل سعت إليه، ولم يركض خلف التكريم بل لحقه بإنجازه. ففي زمن يكثر فيه الضجيج ويقل العطاء، اختار الرئيس أن يكون صوته هادئا لكن أثره مدويا، وأن يكون حضوره متواضعا لكن بصماته شامخة. وهكذا حين تتحدث الأيادي عن عملها، لا تحتاج الألسن إلى شرح؛ فقد أصبحت موريتانيا تحت قيادته مثالا يشار إليه بالبنان في كيفية بناء دولة راسخة في زمن الانهيارات، وكيفية صيانة الاستقرار في محيط تتقاذفه العواصف. إن بناء الثقة الدولية لا ينجز بإعلان أو خطاب، بل بإرث من المواقف الثابتة، وسجل من الالتزامات المنجزة، وشهادة من الزمن نفسه بأن هذه القيادة قد أوفت بما وعدت.
وحين ننظر إلى وسام الثريا المعلق على صدر الرئيس، لا نرى قطعة من معدن ثمين أو فصوصا متلألئة بقدر ما نرى مرآة تعكس صورة موريتانيا بأسرها. إنه يعكس أبناءها الذين آمنوا بالعمل، ونساءها اللواتي صنعن الحياة، وشبابها الذي يحلم بمستقبل مشرق. الوسام ليس للرجل وحده، بل لكل من ساهم بجهد أو دعا بخير أو تمنى لوطنه العزة. حين ينتشي البعض بالمناصب ويخلعون الأوسمة على أنفسهم قبل أن يستحقوها، جاء هذا التوشيح ليقول للعالم: هذه دولة تستحق التقدير لأنها تعرف طريقها، وهذا قائد يستحق الثقة لأنه يعرف وطنه.
لقد منحت الجمعية البرلمانية للفرانكفونية هذا الوسام الرفيع، وهي ليست مجرد منظمة لغوية جامعة، بل هي فضاء للحوار الحضاري، ومنصة للتعاون السياسي، وميدان للتأثير المتبادل بين الشعوب الناطقة بالفرنسية. وحين تمنح أرفع أوسمتها لرئيس دولة، فإنها تعلن للعالم أن هذا البلد لم يعد مجرد هامش في الفضاء الفرانكفوني، بل أصبح ركنا أساسيا فيه. لقد كانت موريتانيا دائما حلقة وصل بين المشرق والمغرب، وبين أفريقيا والعالم العربي، وبين المحيط والصحراء، واليوم أصبحت كذلك محورا للثقة يجمع حوله الأطراف المتناثرة.
وإذا كان هذا الوسام تتويجاً لمسار مشرق، فإنه في الوقت نفسه تكليف وتأكيد على طريق لا يخلو من التحديات. فالمرء لا يسأل عن بدايته، لكنه يحاسب على نهايته. وقد بدأ الرئيس الغزواني مسيرته بحكمة الصحراء التي لا تعرف الاستعجال، وصدق المعدن الذي لا يصدأ، وصبر الجبال التي تحتمل الرياح. لقد اختار أن يبني من الأسفل، من التعليم والصحة والبنى التحتية، ويصنع جسوراً مع الجيران والأشقاء والأصدقاء. وها هو اليوم يقطف ثمرة هذا الصبر الجميل، في وقت صار فيه الثبات نادراً، والصدق غريباً، والوضوح كنزاً لا يملكه إلا القليلون.
لم يقتصر صدى هذا التكريم على جدران القصر الرئاسي، بل تردد في عواصم القرار، ووصل إلى آذان صناع السياسة في كل مكان. فقد أدرك الجميع أن إشادة المؤسسات الدولية بموريتانيا هي إشادة بنموذج نادر في منطقة تشهد توترات وانقسامات. وإن كبار المسؤولين البرلمانيين الذين توافدوا من تشاد والمغرب وكوت ديفوار لم يأتوا لمجرد المشاركة في حفل، بل جاؤوا ليقفوا شاهدين على هذا التميز، ويعلنوا أن نواكشوط أصبحت عاصمة للثقة، ومنارة للحوار.
إن وسام الثريا على صدر الرئيس هو في الحقيقة وسام على صدر الوطن، ووسام في جبين كل مواطن موريتاني آمن بقدرة بلاده على النهوض. هو شهادة ميلاد جديدة لدولة صاعدة، وإعلان عن أن الحكمة حين تترجم إلى أفعال، والاعتدال حين يتحول إلى منهج، والانفتاح حين يصبح ثقافة، فإن النتائج لا تخيب. فلتستمر المسيرة، وليبقَ هذا الوسام بوصلة نحو مزيد من الإنجازات، ونحو مستقبل تليق به موريتانيا وأهلها.
وتبقى الحقيقة الخالدة التي صاغها أبو الطيب المتنبي قبل ألف عام حاضرة اليوم: أن السيوف هي الأفعال، لا أقوال المنابر. وموريتانيا بسيف إنجازاتها قطفت هذا الوسام، وبعملها الرصين خطت اسمها في سجل الأمم التي تحتذى. وإن الرؤية الثاقبة للرئيس محمد ولد الشيح الغزواني، القائمة على التوازن في كل شيء — بين الداخل والخارج، بين التقليد والحداثة، بين الجد والمرح — تجعل من هذه الدولة الصامتة صوتا مسموعا، ومن هذه الأرض البسيطة جبلا شامخا، ومن هذه التجربة المتواضعة قصة نجاح تروى للأجيال.
فهل بعد هذا الوسام من غاية؟ بلى، إنها البداية. فالنجاح ليس محطة نهاية بل هو رحلة مستمرة، وموريتانيا تمضي بخطى ثابتة نحو آفاق جديدة، يقودها قائد عرف أن القيادة الحقيقية ليست في التاج الذي يعلو الرأس، بل في الثقة التي تسكن القلوب، والأثر الذي يبقى في الأرض بعد رحيل الأيام.












