
منذ مطلع مارس الماضي، سُجّلت في موريتانيا أربع زيادات متتالية في أسعار المازوت والبنزين، إلى جانب زيادة واحدة في سعر الغاز المنزلي، في سياق يبدو منسجمًا مع أحد أبرز برامج الإصلاح الاقتصادي التي يدعو إليها صندوق النقد الدولي، والقائم على (إصلاح) دعم الطاقة والتخلي التدريجي عن الدعم الشامل للمحروقات. ويستند هذا التوجه إلى رؤية اقتصادية تعتبر أن الدعم الشامل للطاقة يحمّل الميزانية العامة أعباءً مالية كبيرة، ويستفيد منه الأغنياء والفقراء على حد سواء، بل إن الفئات الأكثر استهلاكًا للطاقة غالبًا ما تحصل على الحصة الأكبر منه. لذلك يدعو الصندوق إلى استبداله بما يعرف بـ"الدعم الموجّه"، عبر التحويلات النقدية المباشرة وشبكات الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، مع توجيه الوفورات المتحققة نحو قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار المنتج.
من خلال الزيادات هذه في أسعار المحروقات، يبدو أن موريتانيا دخلت فعليًا في مسار هذا التوجه. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل طبقت الحكومة البرنامج كما تنص عليه أدبياته وشروط نجاحه؟ وهل سبقت عملية رفع الدعم إجراءات كافية لتعويض المتضررين وضمان عدم تدهور قدرتهم الشرائية؟ ففي التجارب الدولية، لا يقتصر (إصلاح) دعم الطاقة على رفع الأسعار فحسب، بل يقوم على مجموعة من الشروط المتلازمة، من أبرزها التدرج في التنفيذ، والشفافية في عرض تكلفة الدعم وحجم الوفورات المتوقعة، وإقامة منظومة فعالة للتحويلات الاجتماعية، وضمان وصول التعويضات إلى الفئات المتضررة قبل ظهور الآثار الكاملة لارتفاع الأسعار، إضافة إلى توضيح أوجه استخدام الموارد المالية المُوفَّرة من خفض الدعم.
وفي هذا السياق، اعتمدت الحكومة برامج دعم اجتماعي شملت تحويلات نقدية استفادت منها 124 ألف أسرة خلال المرحلة الأولى، مع برمجة 352 ألف أسرة كدفعة ثانية، إلى جانب توزيعات غذائية لصالح أكثر من 155 ألف أسرة من الأسر الأكثر احتياجًا، فضلًا عن حزمة من التدابير الأخرى الموجهة للتخفيف من انعكاسات هذه الزيادات. غير أن تقييم مدى كفاية هذه الإجراءات يبقى محل نقاش، خاصة في ظل اتساع الآثار غير المباشرة لارتفاع أسعار المحروقات على مجمل الأسعار وتكاليف المعيشة.
لا خلاف على أن توجيه الدعم إلى مستحقيه أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، وأن استمرار الدعم الشامل بالمستويات السابقة يثير إشكاليات تتعلق بالاستدامة المالية. لكن المقاربة الاقتصادية لا ينبغي أن تحجب البعد الاجتماعي للمسألة. فالدعم الشامل، رغم ما يؤخذ عليه من ضعف الاستهداف، يوفر استقرارًا نسبيًا للأسعار ويحمي القدرة الشرائية لجميع المواطنين خلال فترات الأزمات. أما الدعم الموجّه، فرغم عدالته النظرية، فإنه يظل رهينًا بمدى دقة تحديد المستفيدين وقدرة الإدارة على الوصول إليهم واستمرار تمويل البرامج التعويضية.
كما أن التحويلات النقدية لا تعوض بالكامل الآثار التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، لأن زيادة أسعار المحروقات لا تقتصر على الوقود وحده، بل تنتقل إلى النقل والإنتاج والزراعة والتجارة والخدمات، فتنعكس في النهاية على أسعار الغذاء والسلع الأساسية وكلفة الحياة اليومية، وهو ما يطال مختلف شرائح المجتمع، بما فيها بعض الفئات التي قد لا تكون مشمولة ببرامج الدعم.
من زاوية أخرى، لا يقتصر النقاش على مبدأ الدعم أو إلغائه، بل يمتد إلى تركيبة أسعار المحروقات نفسها. فالمواطن من حقه أن يعرف كيف تُحتسب التكلفة النهائية للوقود، وما حجم الضرائب والرسوم والهوامش المختلفة المكونة للسعر النهائي. لذلك تظل الشفافية في التسعير جزءًا أساسيًا من أي إصلاح يراد له أن يحظى بالثقة والقبول.
وفي المحصلة، لا يتمثل التحدي الحقيقي في المفاضلة بين (الإصلاح) والدعم، بل في إيجاد توازن بين مقتضيات الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية. فنجاح (إصلاح) دعم الطاقة لا يقاس فقط بحجم الوفورات المالية المحققة، وإنما أيضًا بقدرته على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان أن تتحول الموارد التي كانت مخصصة للدعم إلى مجالات تنموية أخرى ملموسة يشعر بها المجتمع في حياته اليومية.












