ليبيا: مهاجرون أفارقة يواجهون هموم الحياة

في ظلّ تصاعد التوترات داخل عدد من المدن الليبية خلال الأيام الأخيرة، يعيش المهاجرون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء حالة من الخوف الشديد دفعت كثيرين منهم إلى ملازمة منازلهم وعدم الخروج إطلاقًا. ويأتي هذا الوضع بعد تقارير وشهادات متقاطعة تتحدث عن ما يشبه “حملة مطاردة” تستهدفهم، ما جعل حياتهم اليومية تتحول إلى عزلة قسرية وقلق دائم من المداهمات والاعتقالات.

تصعيد أمني واسع

تشير شهادات مهاجرين وناشطين إنسانيين إلى أن مدن غرب ليبيا، مثل طرابلس وزوارة وصبراتة والزاوية، تشهد عمليات أمنية مكثفة تتسم بالاتساع والتنظيم. فبحسب هذه الروايات، تنفذ قوات أمنية مداهمات للأحياء السكنية وأماكن العمل، تعقبها عمليات توقيف لأشخاص يُشتبه في كونهم مهاجرين غير نظاميين، قبل نقلهم إلى مراكز احتجاز.

وتصف بعض الشهادات هذه العمليات بأنها تتم بطريقة محاصِرة، إذ تُغلق الشوارع وتُستخدم مركبات مدرعة لاقتحام المنازل، مع استهداف واضح للأشخاص ذوي البشرة السوداء، ما يجعل الهروب أو الاختباء شبه مستحيل أثناء هذه الحملات.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز قصص فردية تعكس حجم المعاناة، إذ تقول شابة غينية تبلغ من العمر 22 عامًا إنها لم تعد تغادر منزلها في مدينة الزاوية، خوفًا من الاعتقال أو الاعتداء أو حتى الاختطاف من قبل مجموعات مسلحة، مؤكدة أن الخوف أصبح جزءًا من حياتها اليومية، خصوصًا مع مسؤوليتها عن طفل رضيع في بيئة غير مستقرة.

توسّع رقعة الاعتقالات

مع استمرار هذه العمليات، لم يقتصر الضغط على المداهمات فقط، بل امتد ليشمل قيودًا اجتماعية واقتصادية متزايدة. إذ تتحدث مصادر محلية عن منع تأجير المنازل للمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب تقييد فرص العمل المتاحة لهم في بعض المناطق، ما أدى إلى طرد عدد منهم من مساكنهم خلال فترة قصيرة، وزيادة هشاشتهم المعيشية.

ولا يختلف الوضع كثيرًا في شرق ليبيا، حيث تشير تقارير إلى تنفيذ حملات توقيف واسعة في مدينة بنغازي خلال وقت قصير، طالت مئات المهاجرين غير النظاميين، ضمن سياسة أمنية أوسع أسفرت خلال الأشهر الماضية عن اعتقال آلاف الأشخاص في مناطق مختلفة من البلاد.

خطاب كراهية بزيد من تعقيد الأزمة

في خلفية هذا التصعيد الأمني، يبرز عامل آخر ساهم في تأجيج الأزمة، وهو انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد انتشرت منشورات تحرض ضد المهاجرين وتتهمهم بنشر الفوضى وتهديد الأمن، بل وصل بعضها إلى الدعوة المباشرة للعنف، ما زاد من حدة التوتر داخل المجتمع.

وقد انعكس هذا المناخ المشحون أيضًا على الحياة العامة في الشارع، حيث خرجت احتجاجات في طرابلس أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رفع خلالها بعض المتظاهرين شعارات ترفض وجود المهاجرين في ليبيا وتطالب بإغلاق مكاتب الأمم المتحدة، مع خلط واضح بين المهاجرين غير النظاميين واللاجئين، خصوصًا القادمين من السودان الفارين من الحرب.

وأمام هذه التطورات، عبّرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها البالغ من تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، مؤكدة أن هذه الحملات ساهمت في تأجيج العنف ضد المهاجرين والعاملين الإنسانيين. كما شددت على أن الادعاءات المتعلقة بوجود برامج لإعادة توطين المهاجرين داخل ليبيا لا أساس لها من الصحة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الأرقام دلالة مهمة على حجم الظاهرة، إذ تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 900 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا حتى منتصف عام 2024، يعيش كثير منهم في ظروف صعبة للغاية، وسط مستقبل يزداد غموضًا مع استمرار التوترات.

رابط المقال:
https://www.infomigrants.net/fr/post/71751/jai-peur-je-ne-sors-plus-de-c...