تحليل نقدي لنص رد الوزير سيد احمد من منظور اقتصادي- محمد آب الجيلاني

 

 ككل عمل بشري تعتري تدوينة الوزير سيد احمد بعض النواقص اجملها في: إشكاليات المنهجية والموضوعية، أخطاء وإشكاليات تقنية, تناقضات داخلية في النص وضعف في بناء الحجة
أولاً: إشكاليات المنهجية والموضوعية
الكاتب وزير مالية سابق يرد على وزير أول حالي، وهو ما يجعل النص أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى التحليل الاقتصادي المحايد، خاصة أنه يُحيل إلى "فساد وغياب رؤية" في حقبة كان هو نفسه طرفاً فيها بحكم توليه وزارة المالية.
الانتقائية في تحليل السياسات يُقدِّم الوزير الخيار الأول (تسقيف أسعار المحروقات) باعتباره بديهياً لا يحتاج "ذكاءً خارقاً"، وهذا تبسيط مُخِل، إذ أن سياسة دعم الطاقة لها تكاليف هيكلية موثقة في أدبيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أبرزها:
i. تعزيز الاستهلاك غير الكفء وتشويه التخصيص الأمثل للموارد
ii. استفادة الشرائح الأعلى دخلاً بنسبة أكبر من الدعم العام
iii. إرساء توقعات شعبية يصعب الرجوع عنها

ثانياً: أخطاء وإشكاليات تقنية
الخلط بين مستويات التضخم يستشهد الوزير بأن 2% نسبة "صحية ومحفزة"، وهذا صحيح وفق إجماع البنوك المركزية، لكنه يتجاهل أن هذا المعيار وُضع لاقتصادات متقدمة ذات أسواق مالية عميقة، أما في الاقتصادات الناشئة والهشة كموريتانيا فإن النطاق المستهدف يتراوح بين 3% و5% وفق أدبيات البنك المركزي لغرب أفريقيا وتقارير صندوق النقد الدولي الخاصة بالمنطقة.
علاقة التضخم بالنمو يستشهد بأن "كل نقطة تضخم تُنسف 0,1% من النمو" دون ذكر مصدر الدراسات، وهذه العلاقة تتباين تباينًا جوهريًا بحسب:
1. مستوى التضخم الابتدائي
2. بنية الاقتصاد (ريعي أم إنتاجي)
3. درجة انفتاح الاقتصاد
تطبيقها بشكل مطلق على موريتانيا دون تحفظ هو تعميم غير مقبول أكاديمياً.
موقفه من السيادة المالية نقده لمصطلح "السيادة المالية" باعتباره غير موجود في الأدبيات الاقتصادية فيه مغالطة، إذ:
• المصطلح موجود تحت مسميات متعددة ك ـ Souverainté  Fiscale و Autonomie Financière  في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي
• تستخدمه هيئات أممية ومنظمة التجارة العالمية وتقارير الأونكتاد
• خلطه بين السيادة المالية والاستقلالية التامة عن الأسواق الدولية هو هو نفسه تبسيط مُخِل

ثالثاً: تناقضات داخلية في النص
ينتقد غياب التنسيق ويُمارسه يعيب على الحكومة غياب التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، بينما نصه ذاته يجمع بين:
• نقد قرارات نقدية (رفع الفائدة)
• ونقد قرارات مالية (زيادة الوقود)
• وانتقاد مشاريع تنموية دون تقديم إطار تنسيقي بديل واضح وقابل للتطبيق.
يرفض التوازن المحاسبي ثم يطالب به يقول صراحةً "الدولة ليست منشأة خاصة همها التوازن المحاسبي"، ثم ينتقد لاحقاً الإنفاق على المشاريع التجميلية في وقت الأزمة، وهذا تناقض في المرجعية التحليلية.

رابعاً: ضعف في بناء الحجة
الهجوم الشخصي بدل التفنيد التقني عبارة "الفساد وغياب الرؤية وعدم الاكتراث" كإجابة على سؤال اقتصادي هيكلي هي إجابة سياسية لا اقتصادية، ولو طُبِّق هذا المعيار على فترة الوزير نفسه فسيواجه الإشكالية ذاتها.
غياب البدائل الكمية ينتقد الوزير بشدة دون تقديم:
• أرقام تقديرية للتكلفة البديلة
• آلية تمويل واضحة لتسقيف الأسعار
• سيناريو كمي لأثر سياسته المقترحة على العجز الميزاني
وهذا إخلال جوهري فيمن يدّعي الخبرة الاقتصادية العليا.

خلاصة تقييمية
النص يمتلك قدرة تحليلية حقيقية في تشخيص التناقضات، لكنه يفتقر إلى الحياد المنهجي، ويعاني من انتقائية في الاستشهاد، ويسقط في فخ التبسيط السياسي حين يُقدِّم خيارات معقدة باعتبارها بديهية.