
إلى المناطقة فقط
لاحظتُ أنه في بلادنا يتكرر سؤالٌ كلما انتقد لاعبٌ سابقٌ أداء الفريق أو كشف رأيًا مخالفًا، سارع البعض إلى إشهار السؤال نفسه وكأنه حجة قاطعة لا تُرد: "ولماذا لم تقل هذا عندما كنت لاعبا؟"
غير أن هذا السؤال، الذي يتردد كثيرًا، يخفي وراءه قدرًا كبيرًا من التبسيط، بل وينصرف عن جوهر النقاش إلى محاولة إسكات صاحبه.
فالأولى بالسائل أن يتساءل: لماذا غادر الرجل الفريق أصلًا؟ أليس من الممكن أن يكون خروجه نتيجة اختلاف في الرأي أو اعتراض على نهج أو سياسة المُدَرب؟ أليس من المحتمل أن يكون خروجه ثمرة موقف لم ينسجم مع مراد الطاقم الفني؟
إذا كان الفريق مؤسسة محترمة تحكمها الاعتبارات السياسية والإدارية الموضوعية، فإن الدخول إليه والخروج منه لا بد أن يكون له ما يبرره. وعندئذ يصبح خروج اللاعب منه قرينة على وجود اختلاف، ولو بالحد الأدنى الذي يفسر انتهاء مهمته. أما إذا لم يكن للدخول سبب مفهوم، ولا للخروج سبب مفهوم، فذلك حديث آخر لا يخدم من يطرح هذا السؤال.
ثم إن في السؤال نفسه ما ينقض منطق أصحابه من أساسه؛ لأنه إذا كان رأي اللاعب السابق مردودًا بحجة أنه لم يصرح به وهو في الميدان، فإن رأي اللاعب الحالي يصبح محل شبهة للسبب نفسه. إذ يمكن أن يقال له: أنت تقول هذا لأنك في الميدان اليوم، فهل ستظل تقوله لو خرجت من الفريق غدًا؟
فإن كان المنصب سببًا للطعن في كلام من غادره، فهو كذلك سبب للطعن في كلام من لا يزال فيه. وإن كان الرأي لا يُقاس بصاحبه ولا بوظيفته، بل بحجته وأدلته، سقطت هذه المجادلة من أصلها.
إن قيمة الأفكار لا تتحدد بالمقعد الذي يجلس عليه أصحابها، ولا بالصفة التي يحملونها لحظة النطق بها. فكم من حقيقة لم تُقل إلا بعد زوال المانع، وكم من رأي لم يجد صاحبه حريته الكاملة إلا حين غادر المنصب.
لذلك فإن المجتمعات الجادة لا تسأل: من قال؟ ومتى قال؟ وإنما تسأل: هل ما قيل صحيح أم لا؟ وما حجته؟ وما دليله؟
أما الاكتفاء بهذه العبارات الجاهزة، فليس إلا هروبًا من مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها، ومن مواجهة الحجة إلى الاحتماء بالشخصنة. وذلك أفقر أنواع الجدل، وأبعدها عن الإنصاف والعقل.












