
المسؤولية لا تتجزأ
مساهمةً في النقاش الدائر حالياً، ينبغي أن يدرك الجميع أن الاختلاف حول السياسات والخيارات العامة أمر طبيعي ومشروع، بل إنه دليل على حيوية النقاش العمومي واهتمام النخب بقضايا الوطن.
ويُحسب لمعالي الوزير الأول المختار ولد أجاي أنه بادر إلى فتح هذا النقاش على أساس أرقام ومعطيات وتقديرات اقتصادية واضحة، واضعاً أمام الرأي العام جملة من الأسئلة والخيارات التي تستحق النقاش والتمحيص. وقد تفاعل مع ذلك كثيرون تأييداً أو تعقيباً واخرون نقداً، وهو ما يثري الحياة العامة ويعزز ثقافة الحوار حول القضايا الوطنية.
غير أن قيمة هذا النقاش لا تكمن فقط في تعدد الآراء، وإنما أيضاً في طبيعة المقاربات المعتمدة فيه. فالأرقام تُناقش بالأرقام، والحجج تُجاب بالحجج، والنظريات تُقارع بالنظريات. أما حين ينتقل النقاش من جوهر الأفكار إلى الأشخاص، أو من تحليل السياسات إلى تأويل النوايا، فإنه يفقد جانباً مهماً من قيمته العلمية والأخلاقية.
ففي العمل العمومي، لا يمكن فصل المواقف عن المسؤوليات. ومن حق الجميع أن يراجعوا آراءهم ويطوروا قراءاتهم للأحداث، لكن المراجعة تكتسب قيمتها الحقيقية حين تقترن بالاعتراف بالمسؤولية والقدرة على تقييم التجارب بقدر من الإنصاف والاتزان. أما حين يتحول النقاش من مراجعة السياسات إلى التنصل من الأدوار السابقة في الماضي القريب، أو تحميل الآخرين وحدهم مسؤولية ما كان نتاجاً لجهود وقرارات شارك فيها كثيرون، فإنه يفقد كثيراً من وجاهته الفكرية والأخلاقية.
وقد علمنا تراثنا الإسلامي أن الإنصاف يبدأ بمحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، وهو ما عبر عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». فالنقد البنّاء لا يقوم على نسيان الأمس، وإنما على قراءته بوعي، واستخلاص دروسه، والإقرار بنصيب كل طرف من المسؤولية.
وإذا كان من حق الجميع مناقشة الخيارات والسياسات العمومية، فمن المهم أيضاً أن يتم ذلك في إطار فهم طبيعة النظام المؤسسي الذي تُصنع داخله تلك الخيارات. ومن هذا المنطلق، يجدر التأكيد على أنه من الناحية السياسية والمؤسسية يستحيل الفصل بين رؤية فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وبين الحكومة التي اختارها وكلفها بتنفيذ برنامجه. فالحكومة ليست مشروعاً سياسياً قائماً بذاته، وإنما هي الأداة التنفيذية للرؤية التي نالت ثقة المواطنين. ولذلك فإن تقييم الأداء أو نقد الخيارات يظل أكثر اتساقاً حين ينطلق من فهم هذه العلاقة التكاملية. أما محاولة الفصل بينهما، فهي أشبه بمن يسبح عكس التيار ثم يزعم أنه يسير في اتجاهه.
وقد يختلف الناس حول بعض الخيارات أو الأولويات، وهو اختلاف مشروع، لكن الأهم أن يظل النقاش موجهاً نحو تطوير السياسات واقتراح البدائل وخدمة المصلحة العامة، بعيداً عن الشخصنة وإعادة تموضع المواقف بتغير المواقع. فالنقاشات الأكثر فائدة ليست تلك التي تبحث عن منتصر في الجدل، بل تلك التي تسهم في تحسين القرار العمومي وترشيد الخيارات الوطنية.
فالأوطان تكسب عندما نختلف حول الأفكار، وتخسر عندما نختلف حول الأشخاص. كما أن التاريخ غالباً ما يتذكر الذين أضافوا إلى أوطانهم أكثر مما يخلدون للجدل خدمةً لمصالحهم الخاصة.












