تشهد موريتانيا نقاشًا اقتصاديًا متصاعدًا حول سياسة تسعير الوقود، في ظل تأثير مباشر على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين. فارتفاع أسعار المحروقات لم يعد مجرد إجراء تقني داخل سوق الطاقة، بل أصبح عاملًا ينعكس بسرعة على كلفة النقل والمواد الأساسية، وبالتالي على مستوى معيشة الأسر.
وفي هذا الإطار، تكشف المعطيات الواردة أن الحكومة قامت في 31 مارس 2026 برفع أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر الغازوال من 51.2 إلى 56.3 أوقية للتر (زيادة 10%)، كما ارتفع سعر البنزين من 51.1 إلى 59 أوقية (زيادة 15.3%). وقد جاءت هذه الزيادات ضمن توجه اقتصادي أوسع يهدف إلى تقليص الدعم العام وتوجيه الموارد نحو الفئات الأكثر هشاشة.
فجوة كبيرة
بالانتقال من مستوى الأسعار إلى مستوى السياسات الاجتماعية، يتضح أن الدولة رافقت هذا القرار بإجراءات تعويضية، تمثلت في تحويلات مالية مباشرة للأسر المتضررة. فقد تم صرف 3,000 أوقية جديظة لـ124,000 أسرة، إضافة إلى دعم خاص بقيمة 4,500 أوقية جديدة للموظفين الذين تقل دخولهم عن 13,000 أوقية جديدة، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5,000 أوقية جديدة. ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة توزيع أثر ارتفاع الأسعار بدل تركه ينتقل بالكامل إلى المستهلك النهائي.
غير أن الانتقال من دعم الأسعار إلى دعم الأفراد يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بفعالية هذه السياسة على المدى المتوسط. فبينما تهدف التحويلات إلى حماية الفئات الضعيفة بشكل أكثر دقة، تبقى إشكالية حجمها واستمراريتها قائمة، خصوصًا أمام زيادات أسعار مستمرة، مقارنة بدعم غالبًا ما يكون محدودًا أو ظرفيًا.
ومن زاوية مالية بحتة، تُظهر الأرقام حجم الفارق بين الخيارين. إذ تشير التقديرات إلى أن تثبيت أسعار الغازوال وحده قد يكلف الدولة حوالي 5 مليارات أوقية سنويًا، وهو عبء متكرر ومستمر على الميزانية العامة. في المقابل، بلغت تكلفة التحويلات الاجتماعية الأخيرة نحو 372 مليون أوقية فقط، ما يكشف عن فجوة كبيرة في الكلفة بين دعم شامل يستفيد منه الجميع، ودعم مباشر يستهدف الفئات الأكثر احتياجًا.
ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه السياسات عن البنية الهيكلية لسوق الوقود في موريتانيا، حيث تعتمد البلاد بشكل شبه كامل على الاستيراد، في ظل محدودية قدرات التخزين وتركيز عمليات التوزيع في عدد محدود من الفاعلين. هذا الواقع يجعل الأسعار المحلية شديدة الحساسية لأي تقلبات في السوق العالمية، ويقلل من هامش المناورة أمام صناع القرار.
تحقيق توازن دقيق
بالانتقال إلى مستوى السياسات الاقتصادية الكلية، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في تباين أدوات السياسة النقدية والمالية. فقد قام البنك المركزي برفع سعر الفائدة من 6.0% إلى 6.5% في مايو 2026 بهدف احتواء التضخم، في حين تستمر السياسات المالية في تقديم دعم اجتماعي وتحفيز للطلب، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع فعالية كل سياسة إذا لم يتم تنسيقها بشكل محكم.
أما على صعيد التضخم، فتشير البيانات إلى أنه كان في مستويات منخفضة خلال منتصف 2025، حيث بلغ نحو 1.3% في أغسطس، قبل أن يبدأ في الارتفاع تدريجيًا ليصل إلى 3.3% في نوفمبر، و4.1% في ديسمبر 2025، ثم 4.4% في يناير 2026. الأمر الذي يوضح أن الضغوط التضخمية كانت قائمة قبل قرارات رفع أسعار الوقود، لكنها تسارعت لاحقًا بفعل تداخل عوامل داخلية وخارجية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط باختيار بين دعم الأسعار أو رفعها، بل بمدى قدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق توازن دقيق بين حماية الفئات الهشة وضبط كلفة المالية العامة. فبين دعم سنوي قد يصل إلى 5 مليارات أوقية، وتحويلات مباشرة لا تتجاوز 372 مليون أوقية، وبين تضخم يقترب من 4% ، تبقى الإشكالية الأساسية هي بناء نظام دعم أكثر استهدافًا واستدامة، دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي.
وبذلك، لا يبدو أن الحل يكمن في العودة إلى الدعم الشامل أو الاكتفاء بالتحويلات الحالية، بل في تطوير آلية أكثر دقة تجمع بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي، ضمن رؤية شاملة تعالج السوق والبنية الاقتصادية، وليس فقط سعر الوقود في حد ذاته.
رابط المقال:
https://www.financialafrik.com/2026/06/08/carburants-inflation-et-financ...












