البنك الإفريقي للتنمية: فاتورة الواردات الصناعية في أفريقيا باهظة رغم توفر 230 منطقة اقتصادية خاصة

رغم التوسع الكبير في إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة عبر القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة، لا تزال هذه المناطق عاجزة عن تحقيق التحول الصناعي المنشود وتقليص الاعتماد على الواردات، وفق ما كشفه تقرير حديث للبنك الإفريقي للتنمية.

وأظهرت البيانات أن إفريقيا استوردت خلال عام 2024 منتجات صناعية بقيمة 437 مليار دولار، تشمل الآلات والمعدات الكهربائية والمركبات والأدوية والمواد البلاستيكية، بينما تعمل أكثر من 40% من المناطق الاقتصادية الخاصة بأقل من ربع طاقتها التشغيلية.

ويبلغ عدد المناطق الاقتصادية الخاصة في القارة حاليًا نحو 230 منطقة موزعة على 43 دولة، مقارنة بعدد محدود منها مطلع تسعينيات القرن الماضي. إلا أن تقرير «مؤشر التصنيع الإفريقي 2025» الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية أشار إلى أن 15% فقط من هذه المناطق تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية.

نموذج قائم على الحوافز لا على التصنيع

يرى التقرير أن السبب الرئيسي وراء هذا الأداء المحدود يعود إلى طبيعة النموذج الذي أُنشئت وفقه غالبية المناطق الاقتصادية الخاصة، حيث ركزت الحكومات على تقديم الحوافز الضريبية والإعفاءات الجمركية لجذب المستثمرين الأجانب، دون بناء روابط قوية مع الاقتصاد المحلي وسلاسل التوريد الوطنية.

وأدى هذا التوجه إلى ظهور مناطق إنتاجية تعمل كجزر اقتصادية منفصلة عن محيطها الصناعي، ما حدّ من قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية أو تلبية الطلب المتزايد داخل الأسواق الإفريقية.

التجارة البينية ما تزال محدودة

تعزز مؤشرات التجارة الإقليمية هذه المخاوف، إذ لم تتجاوز نسبة السلع الوسيطة التي تم تصديرها بين الدول الإفريقية 14% خلال عام 2025، بحسب بيانات الاتحاد الإفريقي. في المقابل، تواصل القارة تصدير المواد الخام إلى الأسواق العالمية واستيراد معظم احتياجاتها الصناعية من أوروبا وآسيا.

ويؤكد خبراء التنمية الصناعية أن هذا الواقع يكشف ضعف التكامل بين المناطق الاقتصادية الخاصة والأسواق الإفريقية، حيث لا تزال منتجات العديد منها موجهة نحو التصدير الخارجي أكثر من تلبية احتياجات السوق القارية.

عقبات الطاقة والتمويل

ولا تقتصر التحديات على الجوانب الهيكلية فحسب، بل تمتد إلى مشكلات تشغيلية مزمنة تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف البنية اللوجستية، ومحدودية سلاسل الإمداد المحلية.

كما يواجه المصنعون صعوبات في الحصول على التمويل، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف بين العملات الإفريقية، ما يزيد من كلفة المبادلات التجارية ويضعف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.

ورغم إطلاق نظام الدفع والتسوية الإفريقي الموحد (PAPSS) بهدف تسهيل المعاملات التجارية العابرة للحدود، فإن أثره على النشاط الصناعي لا يزال في مراحل التطور الأولى.

التخصص يصنع الفارق

وبحسب معطيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن نحو 89% من المناطق الاقتصادية الخاصة الإفريقية تعتمد نموذجًا متعدد الأنشطة، الأمر الذي يحد من قدرتها على بناء منظومات صناعية متخصصة وقادرة على المنافسة.

في المقابل، سجلت بعض التجارب نجاحات لافتة بفضل التركيز على قطاعات محددة، مثل صناعة السيارات والطيران في المغرب، وصناعة النسيج في إثيوبيا، وتحويل الأخشاب في الغابون، وهي نماذج يعتبرها الخبراء دليلًا على أهمية التخصص في تعزيز الأداء الصناعي.

زخم جديد مع منطقة التجارة الحرة القارية

تراهن المؤسسات الاقتصادية الإفريقية على أن تسهم منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في إعادة توجيه دور المناطق الاقتصادية الخاصة نحو خدمة السوق الداخلية للقارة.

وتقدّر البنك الدولي أن التطبيق الكامل للاتفاقية قد يؤدي إلى زيادة التجارة البينية الإفريقية بأكثر من 100%، خصوصًا في المنتجات المصنعة، شريطة تسوية الإشكاليات المتعلقة بقواعد المنشأ ومنح المنتجات المصنعة داخل المناطق الاقتصادية الخاصة امتيازات النفاذ إلى الأسواق الإفريقية.

أولوية المرحلة: تحسين الأداء لا التوسع

يخلص البنك الإفريقي للتنمية إلى أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على تطوير المناطق الاقتصادية القائمة وربطها بالسياسات الصناعية الوطنية والإقليمية، بدلًا من التوسع في إنشاء مناطق جديدة.

وفي ظل استمرار القارة في استيراد مئات المليارات من الدولارات من المنتجات المصنعة سنويًا، تبدو المعركة الحقيقية اليوم في رفع كفاءة البنية الصناعية الموجودة وتحويلها إلى محرك فعلي للنمو والتصنيع وخلق فرص العمل، بما يعزز استقلالية الاقتصادات الإفريقية ويقلص تبعيتها للأسواق الخارجية.

رابط المقال:

https://www.latribune.fr/article/afrique/93591031111140/les-zones-econom...